في إطار فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان ظلال أركان الدولي، نظمت جمعية ظلال أركان ندوة علمية تحت عنوان” الإجهاد المائي… رهانات البقاء بواحات الجنوب ومناطق الأركان، يوم الإثنين 17 نونبر 2025، بمقر نقطة القراءة بجماعة تيمولاي، إقليم كلميم. حيث لم تقتصر النقاشات، على التراث البيئي، والثقافي لشجرة الأركان، بل تعمقت في قضية محورية، تهدد استدامة هذه المناطق الحيوية، ألا وهي الإجهاد المائي.

تعد واحات الجنوب المغربي، ومناطق شجرة الأركان، التي تشمل جهة كلميم واد نون، موئلا طبيعيا فريدا ونظاما اجتماعيا، واقتصاديا قائما، على موارد طبيعية محدودة، وتلعب الواحات، دورا حاسما، في تثبيت التربة ومكافحة التصحر.

كان الهدف من تخصيص جزء من فعاليات مهرجان ظلال أركان الدولي، لهذه القضية، هو دق ناقوس الخطر والدعوة إلى العمل المشترك، وقد خلصت المداخلات والنقاشات، إلى ضرورة تبني استراتيجية شاملة، لتدبير الإجهاد المائي، ترتكز على الحكامة المائية المحلية، بتفعيل دور الجماعات المحلية، والجمعيات، في ترشيد استخدام المياه، واستخدام التقنيات الحديثة، عبر تشجيع التحول نحو الري بالتنقيط، والتقنيات الزراعية المقتصدة للمياه، خاصة في واحات النخيل، والمزروعات الأخرى، بالإضافة إلى حصاد مياه الأمطار، أي استثمار التقنيات التقليدية، والحديثة، لجمع وتخزين مياه الأمطار السطحية، وأخيرا حماية المياه الجوفية، بوضع ضوابط صارمة للحد من حفر الآبار العشوائية، والاستنزاف المفرط للفرشات المائية.

فشجرة الأركان، تعد رمزا للصمود في وجه الجفاف، لقدرتها العالية على التكيف، إلا أن تفاقم الإجهاد المائي يضع حتى هذا النوع المقاوم، في خطر، فالجفاف يؤثر على إنتاجية الشجرة، ويهدد سُبل عيش آلاف الأسر، التي تعتمد على منتجاتها، كزيت الأركان، المصدر الاقتصادي الرئيسي للمنطقة، كما أن تراجع منسوب المياه، يهدد النظام البيئي الواحي بأكمله، بما في ذلك التنوع البيولوجي المرتبط به.

ولتشخيص هذا الوضع بعمق، ووضع الحلول الجذرية، كانت مداخلات الخبراء ذات أهمية قصوى، حيث فكك السيد مبارك بوتميت، الأستاذ بجامعة ابن زهر، الأبعاد العلمية للمشكلة، مؤكدا أنه من منظور أكاديمي، وعلمي لم يعد الإجهاد المائي، مجرد ظرفية عابرة، نتجت عن قلة التساقطات، بل هو إجهاد هيكلي عميق، يضرب في جذور نظامنا البيئي، والاجتماعي خاصة في بيئة الواحات، وشجرة الأركان، التي تمثل خط الدفاع الأول ضد التصحر.

وأضاف الأستاذ بوتميت، إن صمود هذه المناطق، لا يمكن أن يستمر بالحلول الترقيعية، بل يتوجب علينا تبني خارطة طريق علمية صارمة، تعيد تقييم الموارد المائية الجوفية بدقة فائقة، وتحفز البحث التطبيقي، لابتكار سلالات نباتية أكثر مقاومة للجفاف، وتفعل برامج التربية المائية، لغرس ثقافة الاستهلاك المسؤول لدى الساكنة، فاالتحدي يكمن في إحداث توازن دقيق، بين حق التنمية وضرورة المحافظة على رصيدنا المائي، للأجيال القادمة وهذا يتطلب تضافر جهود البحث والقرار السياسي.

وفي السياق ذاته، قدم السيد أهداد عبد الكريم، المهندس الممتاز، والمكلف بمهمة داخل المديرية لهندسة المياه رؤية استباقية للحلول الهندسية، موضحا في المديرية لهندسة المياه، نتعامل مع الإجهاد المائي، كأولوية وطنية قصوى، وخصوصا في المناطق التي تشكل عمقنا البيئي، والاجتماعي، كواحات الجنوب، ومناطق الأركان.

وأبرز السيد أهداد، بأن الحل يكمن في تنويع مصادر التزويد المائي، وتفعيل المشاريع المهيكلة، بسرعة قصوى، وهذا يشمل تسريع وتيرة الربط بين الأحواض المائية، لضمان العدالة المجالية، في توزيع الموارد، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، واعتمادها كمصدر رئيسي، وموثوق، والعمل على تعميم تقنيات الري، ذات الكفاءة العالية، مثل الري الموضعي الذكي، حيث يجب أن نتحول من سياسة الانتظار إلى سياسة الاستباق الهندسي، عبر بناء منشآت تخزين المياه الكبرى، والصغرى، وتوفير البنية التحتية اللازمة، لاستغلال كل قطرة ماء من الأمطار، وحتى المياه المعالجة لضمان استدامة هذه الأقاليم الحيوية.

إن معركة واحات الجنوب، ومناطق الأركان، مع الإجهاد المائي، هي معركة من أجل البقاء والاستدامة، إذ أن استمرار الحياة بهذه المناطق، يعتمد بشكل مباشر، على قدرتها على تأمين موردها المائي، وقد شكلت منصة مهرجان ظلال أركان بتيمولاي، فرصة لتأكيد أن الأمن المائي، ليس مجرد مسألة فنية أو بيئية، بل هو قضية تنموية، واجتماعية، تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، لضمان مستقبل الأجيال القادمة، وحماية هذا التراث الطبيعي الثمين

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *