خديجة الفلاكي
حين يُطرح مفهوم الحكم الذاتي في السياق المغربي، يُختزل أحيانًا في كونه حلاً سياسيًا حديثًا، بينما هو في الحقيقة امتداد طبيعي لبنية تاريخية ضاربة في عمق الدولة المغربية. فالمغرب لم يُبنَ يومًا على مركزية صلبة تُلغي الأطراف، بل على توازن ذكي بين سلطة مركزية ممثلة في إمارة المؤمنين، ومجالات محلية تمتعت عبر التاريخ بقدر واسع من التدبير الذاتي.
لقد شكّلت القبيلة، باعتبارها وحدة اجتماعية وسياسية، مدرسة قائمة بذاتها في الحكامة. لم تكن مجرد تجمع بشري، بل مؤسسة لها نظمها وقوانينها وأعرافها، تدبّر شؤونها الداخلية باستقلال نسبي: من فضّ النزاعات، إلى تنظيم الموارد، إلى حماية المجال وضبط العلاقات بين الأفراد والجماعات.
وفي هذا الإطار، لم يكن الحكم الذاتي انفصالًا عن الدولة، بل كان تعبيرًا عن اندماج مرن داخلها. فالقبائل، رغم استقلالها في التدبير، كانت مرتبطة بالعرش العلوي المجيد عبر رابطة البيعة، وهي رابطة ليست فقط سياسية، بل دينية ورمزية تؤسس لوحدة الأمة. هذا ما جعل المغرب يحافظ عبر القرون على تماسكه، رغم تنوع مكوناته واختلاف مجالاته.
إن ما يُسمّى اليوم بالحكم الذاتي يجد جذوره في هذا النموذج المغربي الأصيل:
وحدة في السيادة تحت إمارة المؤمنين،
وتعدد في التدبير حسب خصوصيات المجالات،
وتكامل بين المركز والهوامش بدل الصراع بينهما.
قبيلة الشرفاء أولاد أبي السباع: نموذج للتدبير الذاتي في إطار البيعة
إذا انتقلنا من التأصيل النظري إلى المثال الحي، فإن قبيلة الشرفاء أولاد أبي السباع تقدّم نموذجًا واضحًا لهذا التوازن التاريخي.
لقد عُرفت القبيلة، عبر امتدادها الصحراوي، بقدرتها على تنظيم نفسها ذاتيًا:
كانت لها أعراف تضبط العلاقات الداخلية وتفصل في النزاعات دون الحاجة الدائمة إلى تدخل خارجي.
امتلكت آليات للحماية الجماعية وتأمين القوافل والمسالك، وهو دور يتجاوز المحلي إلى خدمة المجال الأوسع.
ساهمت في نشر قيم العلم والدين، بحكم انتمائها الشريف، مما منحها بعدًا روحيًا يتجاوز البعد القبلي الضيق
ورغم هذه الاستقلالية في التدبير، ظلت القبيلة وفية للبيعة التاريخية للعرش العلوي، منخرطة في الدفاع عن وحدة البلاد، ومساهمة في استقرارها. وهذا هو جوهر النموذج المغربي: استقلال وظيفي داخل ولاء سيادي.
بل إن من أبرز تجليات هذا النموذج ما يُروى عن مواقف القبيلة الإنسانية والتاريخية، حيث لم تكن القوة وسيلة للهيمنة، بل كانت الأخلاق إطارًا للتصرف، وهو ما يعكس نضجًا حضاريًا في تدبير السلطة المحلية
من القبيلة إلى الدولة الحديثة: استمرارية لا قطيعة
إن الدولة المغربية الحديثة، وهي تتبنى الجهوية المتقدمة وتطرح مقترحات الحكم الذاتي، لا تقطع مع ماضيها، بل تعيد صياغته في قالب مؤسساتي معاصر.
فالجهة اليوم، بصلاحياتها، ليست إلا امتدادًا حديثًا لمنطق قديم:
تدبير القرب، مع الحفاظ على وحدة القرار السيادي.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الحكم الذاتي في السياق المغربي لا ينبغي أن يُبنى فقط على اعتبارات سياسية ظرفية، بل على شرعية تاريخية عميقة، تؤكد أن المغرب لطالما نجح في إدارة تنوعه عبر هذا النموذج المرن.
خلاصة الفكرة
الحكم الذاتي ليس فكرة مستوردة، بل ذاكرة مغربية مُؤسسة.
والقبيلة ليست مرحلة متجاوزة، بل أصلٌ لفهم كيفية بناء توازن دائم بين:
الحرية المحلية، والوحدة الوطنية.
ومن يستوعب تاريخ القبائل، وعلى رأسها الشرفاء أولاد أبي السباع، يدرك أن المغرب لم يكن يومًا في حاجة إلى استنساخ النماذج، لأنه يملك في عمقه نموذجًا خاصًا به… متجذرًا، وفعّالًا، وقادرًا على التجدد، ومواكبة العصر
بقلم خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي رئيسة رابطة الشرفاء اولاد ابي السباع بأكادير سوس ماسة.
