أثار موضوع التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر، خلال الآونة الأخيرة، نقاشًا واسعًا في الأوساط الجامعية والمجتمعية، وتعددت بشأنه الآراء والمواقف، خاصة فيما يتعلق بالرسوم المرتبطة بهذا النمط من التكوين وعلاقتها بمبدأ مجانية التعليم العالي العمومي.
وإذ نقدر أهمية هذا النقاش ومشروعية التساؤلات التي يطرحها، فإننا نرى أن من الضروري مقاربة الموضوع بموضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاختزال، لأن قضية التعليم العالي أكبر من أن تختزل في ثنائية «المجانية» و«الأداء»، وهي في جوهرها قضية ترتبط بحق المواطن في التعلم، وبجودة التكوين، وتكافؤ الفرص، واستدامة الجامعة العمومية وقدرتها على الاستجابة للتحولات التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
ومن المهم، في البداية، التمييز بين التكوين الأساسي وفق التوقيت العادي وبين التكوين الأساسي وفق التوقيت الميسر . فالتكوين في التوقيت العادي يظل موجها أساسًا إلى الطلبة المتفرغين للدراسة، في حين يستجيب التوقيت الميسر لوضعية فئة أخرى من الراغبين في مواصلة مسارهم الجامعي، وخاصة الموظفين والمستخدمين والأجراء وغيرهم ممن أصبحوا مرتبطين بالتزامات مهنية تجعل متابعة الدراسة خلال الزمن الجامعي العادي أمرًا بالغ الصعوبة.
وهنا يطرح الواقع سؤالًا بسيطًا ولكنه أساسي: كيف يمكن لشخص يوجد في الوقت نفسه أمام التزام مهني يفرض عليه الحضور إلى مقر عمله، والتزام جامعي يتطلب منه حضور الدروس والتأطير والأنشطة البيداغوجية؟ إن معالجة هذا التعارض الزمني لا تعني بأي شكل من الأشكال تخفيف متطلبات التكوين، وإنما تعني البحث عن صيغ أكثر مرونة لتنظيم الزمن الجامعي بما يسمح بمواصلة التعلم دون الاضطرار إلى التخلي عن العمل.
ومن هذا المنظور، فإن التوقيت الميسر ينبغي أن يُفهم باعتباره تيسيرًا في الزمن، وليس تيسيرًا في المعايير الأكاديمية.
فالجامعة لا يمكن أن تتنازل عن جودة تكويناتها، ولا عن شروط الولوج إليها، ولا عن متطلبات الحضور والتقييم والامتحانات والبحث العلمي. وقيمة الشهادة الجامعية تظل مرتبطة باستيفاء شروطها الأكاديمية والبيداغوجية، بصرف النظر عن توقيت تقديم التكوين.
إن المرونة في تنظيم الزمن لا ينبغي أن تتحول إلى مرونة في مستوى التكوين.
وفي الوقت نفسه، فإن النقاش حول هذا الموضوع لا ينبغي أن يتجاهل مفهومًا أصبح يحظى بمكانة متزايدة في منظومات التعليم العالي الحديثة، وهو التكوين مدى الحياة. فقد أصبحت التحولات المتسارعة في المعرفة والتكنولوجيا والمهن تفرض على الأفراد تطوير كفاءاتهم بصورة مستمرة، ولم يعد الحصول على شهادة جامعية ثم الاندماج في سوق الشغل يعني نهاية العلاقة مع الجامعة.
فالموظف أو الأجير أو المهني الذي يعود إلى الجامعة بعد سنوات من الممارسة لا يعود إليها بالضرورة بحثًا عن امتياز، وإنما قد يعود لأنه يرغب في تطوير مؤهلاته، أو استكمال مساره الأكاديمي، أو تغيير تخصصه، أو مواكبة التحولات التي يعرفها مجاله المهني.
بل إن حضور هذه الفئة داخل الجامعة يمكن أن يشكل قيمة مضافة للعملية التعليمية والبحثية، بالنظر إلى ما تحمله من تجارب ميدانية وإشكالات واقعية يمكن أن تغني النقاش الأكاديمي وتساهم في تقريب المعرفة من حاجات المجتمع والإدارة والمقاولة ومختلف القطاعات المهنية.
وفي المقابل، فإن من المشروع تمامًا أن تطرح الأسئلة حول الرسوم المحددة لهذا النمط من التكوين، وكيفية احتسابها، وأوجه استعمالها، وضمانات الحكامة والشفافية المرتبطة بها. وهذه أسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها اعتراضًا على الجامعة أو على الإصلاح، بل باعتبارها جزءًا طبيعيًا من النقاش العمومي حول أي تحول يهم منظومة التعليم العالي.
فالجامعة العمومية مطالبة دائمًا بأن تشرح خياراتها، وأن توضح للطلبة والمجتمع طبيعة التكوينات المقترحة، وشروط الولوج إليها، وطبيعة الشهادات التي تمنحها، وكيفية تدبير الموارد المرتبطة بها، وأن تظل جودة التكوين في صلب كل هذه الخيارات.
كما أن الدفاع عن مجانية التعليم العالي العمومي لا ينبغي أن يتعارض مع البحث عن صيغ جديدة لتوسيع العرض الجامعي والاستجابة لفئات اجتماعية ومهنية لم تكن تجد، في السابق، مسارات ملائمة لظروفها.
وبالمثل، فإن اعتماد التوقيت الميسر لا ينبغي أن يُفهم على أنه تخلي عن مجانية التكوين الأساسي الموجه إلى الطلبة المتفرغين للدراسة، وإنما باعتباره صيغة تستجيب لحاجات فئة توجد في وضعية مختلفة من حيث الزمن والالتزامات المهنية.
إن الإنصاف لا يعني دائمًا تقديم الخدمة نفسها بالطريقة نفسها للجميع، وإنما قد يعني أحيانًا تكييف طرق الاستفادة بما يراعي اختلاف الأوضاع، مع الحفاظ على وحدة معايير الجودة والاستحقاق.
ومن هذا المنطلق، فإننا نعتقد أن النقاش الحالي فرصة لإعادة طرح عدد من الأسئلة الجوهرية حول مستقبل الجامعة المغربية: كيف نوسع العرض الجامعي؟ كيف نضمن للطلبة مقاعد ومسارات أكثر؟ كيف نمكن المهنيين من العودة إلى الجامعة؟ كيف نحافظ على جودة الشهادة الوطنية؟ وكيف نوفر للجامعة الإمكانات التي تمكنها من تطوير بنياتها وتجهيزاتها وخدماتها والارتقاء بالبحث العلمي؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجد أجوبتها من خلال المواقف المتشنجة أو الشعارات المتعارضة، وإنما تحتاج إلى نقاش هادئ تشارك فيه المؤسسات الجامعية والأساتذة والطلبة والموظفون والمهنيون ومختلف الفاعلين المعنيين.
وفي هذا السياق، فإن المدرسة العليا للتربية والتكوين بجامعة ابن زهر تؤكد أن جودة التكوين تظل أولوية لا تنازل عنها، وأن أي صيغة للتكوين، مهما اختلف توقيتها أو الفئة المستفيدة منها، ينبغي أن تحافظ على المعايير الأكاديمية والبيداغوجية التي تصون قيمة الشهادة ومصداقية المؤسسة الجامعية.
كما نؤمن بأن الجامعة ليست فضاءً مغلقًا، وإنما مؤسسة عمومية لها مسؤولية تجاه المجتمع، ومن واجبها أن تستجيب للتحولات الجديدة، وأن تفتح إمكانات التعلم أمام مختلف الفئات، وأن تساهم في بناء مجتمع المعرفة وتطوير الرأسمال البشري الوطني.
وفي الوقت نفسه، فإننا نؤكد أن الاختلاف في الرأي حول التوقيت الميسر أمر مشروع، وأن النقد البناء يمكن أن يكون عنصرًا أساسيًا في تحسين أي إصلاح. فالجامعة لا تحتاج إلى إقصاء الأصوات المختلفة، وإنما تحتاج إلى الإصغاء إليها، ودراسة الملاحظات والاقتراحات، وتصحيح الاختلالات متى ظهرت، وتقييم النتائج والآثار بصورة موضوعية ومنتظمة.
إن التعليم العالي قضية وطنية تتجاوز الحسابات الظرفية، والجامعة المغربية تستحق نقاشًا يليق بمكانتها وبالمسؤولية الملقاة على عاتقها. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الانتصار في جدل حول «المجانية» أو «الأداء»، وإنما البحث عن أفضل السبل لضمان جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، وتوسيع الولوج، والتكوين مدى الحياة، وصيانة قيمة الشهادة الوطنية، وتعزيز قدرة الجامعة العمومية على الاستجابة لحاجات المجتمع.
وفي هذا السياق، يطرح الواقع سؤالًا بسيطًا :كيف يمكن لأستاذ يشتغل ما بين 18 و30 ساعة أسبوعيًا، أو لموظف يشتغل سبع ساعات يوميًا، أن يلتزم بالحضور في التوقيت الجامعي العادي؟
فبدل أن تُشكر الجامعة على فتح أبوابها أمام الموظفين والأجراء لتمكينهم من استكمال دراستهم وفق توقيت يتلاءم مع التزاماتهم المهنية، مساءً خلال أيام الأسبوع أو خلال نهاية الأسبوع، نجد حملة مغرضة تختزل الموضوع في مسألة الرسوم وتقدمه وكأنه تراجع عن مجانية التعليم.
ومن الإنصاف أيضًا أن نتذكر أن الجامعة، حين تفتح فضاءاتها خلال المساء ونهاية الأسبوع، وتعبئ أساتذتها وأطرها الإدارية والتقنية، وتوفر فضاءات وتجهيزات وخدمات بيداغوجية خارج الزمن الجامعي المعتاد، فإنها تقوم بجهد تنظيمي ومؤسساتي إضافي حتى تظل أبوابها مفتوحة أمام فئة يصعب عليها الولوج إليها خلال التوقيت العادي.
فلنكن واقعيين: إذا تم الاستغناء عن التوقيت الميسر، فلن يتمكن، في الغالب، أي موظف أو أجير من متابعة دراسته بالتوقيت العادي دون أن يتعارض ذلك مع التزاماته المهنية. فالتوقيت الميسر لا يسلب حقًا من أحد، بل يفتح فرصة جديدة أمام فئة لم يكن بإمكانها، عمليًا، الجمع بين العمل والدراسة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو الطالب، سواء كان متفرغًا للدراسة أو مرتبطًا بالحياة المهنية؛ كما يبقى الرهان هو الجامعة التي نريدها لأجيال المستقبل: جامعة منفتحة، ذات جودة، قادرة على التطور، وفية لدورها كخدمة عمومية، وقادرة في الوقت نفسه على ابتكار صيغ جديدة للاستجابة للتحولات الاجتماعية والمهنية والمعرفية.
عبد الرحمان امسيدر
مدير المدرسة العليا للتربية والتكوين
جامعة ابن زهر