خرجت وابن عمي نتمشى نحو مركز المدينة.. قال لي: لعلك تحن لأيام طفولتنا، لباب القصبة والساحة الكبيرة.. أتذكر حلقة المعلم بوجمعة يوم السوق الأسبوعي؟.. قلت: نعم وأذكر يوم اختار متطوعا من بيننا، سحبه لوسط الحلقة وسأله: هل تحب الشكولاتة؟، فأجاب المسكين: نعم..
نعم، أذكر المشهد كاملا كأنه جرى بالأمس فقط.. أدخل بوجمعة يده في جيب سترته الواسع وأخرج بعض الحشائش الجافة، وقال للغلام: تفضل.. ضحك كل من في الحلقة، وامتعض الصغير رافضا تناولها.. صاح به بوجمعة وسط ضحك الجمهور: ألا تأكل البرسيم ؟!.. حسنا، سأجعلك تتذوقه اليوم، وتكتشف لذته المميزة!.. أخرج بوجمعة من بين أغراضه صندوقا ذي تصميم مميز به درج يمكن سحبه من الجهتين.. يطول المشهد بين تحرج المتطوع المغلوب على أمره وحنكة ودهاء صاحب الحلقة والمتحلقين المشدوهين رغم معرفتهم المسبقة بالمآل.. يضع بوجمعة قصفة البرسيم في الصندوق، يغلقه، يحركه جيدا ثم يسحب الدرج بخفة من الطرف الثاني.. واااو، قطعة شكولاتة تسيل لعاب المتحلقين.. يتناولها المتطوع الصغير بعد ريبة وتردد كبير.. أما نحن فنغبط صاحبنا كثيرا، ثم لا نلبث أن ننفجر ضحكا حين ينهي صاحب الحلقة الموقف: هيا يا بطل، أخبر الحاضرين كيف وجدت طعم البرسيم؟!…
ما إن فرغت من حكاية حلقة المعلم بوجمعة حتى وجدت نفسي ومرافقي بباب القصبة، لم يتغير به شيء يذكر.. وفي الساحة الكبيرة، أثار انتباهي حشد غفير من الناس متحلقين حول منصة صغيرة مزينة بالصور والملصقات وفوقها وقف أحدهم يخطب ود الجموع، يعدهم ويمنيهم.. وكلما دغدغ أحاسيسهم علت الحناجر بالهتاف وامتدت الأيدي بالتصفيق.. قلت لمرافقي: عجبا كيف يصدقونه؟!.. رد ساخرا : كما كنتم تصدقون المعلم بوجمعة.. أجبته على الفور وبامتعاض: كنا صغارا.. ومع ذلك، لم نكن من أكلة البرسيم !…
المحمدية: 17شتنبر2026 عبد العزيز الراي
( كل تشابه،إسقاط أوتأويل منكم هو مجرد شطحة من خيالكم…)