الدكتور يوسف الغزيزال
تعد الانتخابات التشريعية لعام 2026 في المغرب محطة مفصلية تتجاوز كونها مجرد إجراء دستوري دوري لتصبح اختبارا حقيقيا لصلابة النموذج التنموي الجديد وقدرة المؤسسات على استيعاب التحولات العميقة التي طرأت على بنية المجتمع المغربي.
يبرز التحدي الأكبر في هذه النسخة من الاقتراع من خلال السعي الحكومي والبرلماني الحثيث نحو تخليق الحياة السياسية وهو ما تجسد في المصادقة على حزمة قوانين تنظيمية صارمة تهدف إلى تجفيف منابع الفساد الانتخابي عبر استبعاد كل من صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية في قضايا تمس بنزاهة العمليات الانتخابية أو تتعلق بتبديد المال العام.
هذا التوجه التشريعي يعكس رغبة الدولة في استعادة ثقة الناخبين التي اهتزت بفعل بعض الممارسات الفردية المشينة.
كما أن تخفيض عتبة التوقيعات للمستقلين الشباب دون سن الخامسة والثلاثين يفتح الباب أمام نخب جديدة لم تكن تجد لها مكانا داخل القوالب الحزبية التقليدية الجامدة.
على الصعيد السياسي تعيش الخريطة الحزبية حالة من الغليان الصامت ترقبا لنتائج صناديق الاقتراع في شتنبر 2026 حيث تواجه أحزاب الأغلبية الحالية تحديا مزدوجا يتمثل في الدفاع عن حصيلة تدبيرها الاقتصادي والاجتماعي في ظل موجة تضخم عالمية ومحلية أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين. وفي المقابل تسعى قوى المعارضة سواء من تيار اليسار الذي يحاول لم شتات صفوفه أو حزب العدالة والتنمية الذي يعول على عودة قياداته التاريخية لاستعادة بريقه الانتخابي وكذلك حزب الحركة الشعبية الذي يبدو في احسن أحواله ويعد ببديل حركي حداثي يجيب عمليا على اغلب الازمات وقد يعول على مايعرفه الشارع اليوم من غضب جراء ارتفاع الأسعار لتحقيق اختراق في النتائج. إن الصراع حول الصدارة لا يقتصر فقط على من سيقود الحكومة القادمة بل يمتد إلى كيفية الحفاظ على التوازنات السياسية التي تضمن استقرار المؤسسات ومواصلة الأوراش الكبرى التي انطلقت في عهد الحكومة الحالية وتجاوز تعثراتها.
اقتصاديا واجتماعيا تأتي انتخابات 2026 في سياق زمن وطني مطبوع بالرهانات الكبرى خاصة مع اقتراب موعد تنظيم مونديال 2030 وما يفرضه ذلك من تسريع لوتيرة الاستثمارات في البنية التحتية والتحول الرقمي. يطالب المواطنون اليوم ببرامج انتخابية واقعية تتجاوز الوعود الرنانة لتركز على قضايا التشغيل وجودة الخدمات الصحية وإصلاح منظومة التعليم التي تظل حجر الزاوية في أي انتقال مجتمعي. كما تبرز قضية “جيل زد” كمتغير حاسم في هذه المعادلة حيث يمثل الشباب كتلة ديمغرافية وازنة ترفض الأساليب التقليدية في التواصل السياسي وتميل أكثر نحو المبادرات الرقمية والاحتجاجات الواعية التي تطالب بتكافؤ الفرص والعدالة المجالية.
يبقى الرهان القانوني والسياسي الأبرز هو مدى نجاح الإدارة المغربية في ضمان حياد مطلق وتفعيل آليات الرقابة على التمويل الحزبي لضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
إن تشريعيات 2026 لن تكون مجرد أرقام ومقاعد بل ستكون الرسالة الأهم التي يبعث بها المغرب للعالم حول نضجه الديمقراطي وقدرته على تجديد نخبه بطريقة سلمية ومسؤولة.
النجاح في هذا الاستحقاق يعني وضع اللبنة الأساسية لمرحلة استقرار سياسي طويلة الأمد تمكن المملكة من مواجهة التحديات الجيوسياسية الإقليمية والدولية بكثير من الثقة والوحدة الوطنية.
