هل تتجه جمعية هيئات المحامين بالمغرب عقب ندوة 10 شتنبر إلى إنهاء التوقف الشامل أو تعليقه، وإعلان عودة منظمة وربما تدريجية إلى العمل؟ مع نقل المعركة من تعطيل الخدمات المهنية إلى مسارات قانونية ومؤسساتية وحقوقية جديدة. فالعودة تبدو اليوم أقرب إلى الضرورة منها إلى التراجع، لكنها لن تعني قبول القانون رقم 66.23 دون طي صفحة الخلاف بشأنه.
وفي إطار قراءتنا لواقع دام لأكثر من تلاثة أشهر، والذي حمل اليوم مؤشرات عديدة تفرض على كل قارئ إستشرافي متأني لواقع إحتاج غير مسبوق بتاريخ المغرب المعاصر إلى الأخد بعين الإعتبار مايلي :

أولا :أن القانون موضوع الخلاف نشر في الجريدة الرسمية يوم 20 غشت وأصبح نافذا، وبذلك إنتهت عملية مرحلة الضغط الرامية إلى منع صدوره، وإنتقل النزاع إلى مرحلة المطالبة بتعديله أو الطعن في مقتضياته عند توافر شروط ذلك أو إختبار تطبيقه أمام القضاء. فالإستمرار في وسيلة التوقف نفسها بعد تغير موضوع النزاع قد يرفع كلفتها من دون أن يزيد من فعاليتها.

وثانيا: أن إجتماع 27 غشت رغم إنتهائه إلى استمرار التوقف، كشف عن وجود تيار مهني معتبر يدعو إلى العودة والبحث عن أدوات نضالية بديلة. وقد تحول هذا التباين من نقاش داخلي إلى واقع ميداني مع حضور محامين ونقباء سابقين إلى محكمة الإستئناف بالدار البيضاء. وهذا يعني أن قابلية تنفيذ التوقف بصورة موحدة بدأت تتراجع، وأن إستمرار القرار قد يهدد وحدة الصف أكثر مما يضغط على الحكومة.

وثالثا: أن إختيار ندوة صحفية وطنية بدل الإعلان المباشر عن برنامج تصعيدي جديد يحمل دلالة سياسية وتواصلية فجمعية هيئات المحامين تحتاج اليوم وقبل تغيير موقعها إلى شرح مسار الأزمة وتثبيت مسؤولية الحكومة والدفاع عن مشروعية موقفها. ولذلك قد تكون الندوة صيغة لإعادة تأطير القرار وليس إنهاء للمعركة، بل والأرجع حسب رأينا المتواضع إنهاء لمرحلة التوقف وإفتتاح لمرحلة مقاومة القانون من داخل المؤسسات والمحاكم. والإعلان نفسه يتحدث عن الخيارات والآفاق ولا يحصر المرحلة المقبلة في إستمرار التوقف.

ورابعا: أن الكلفة المهنية والإجتماعية أصبحت ثقيلة،بالنظر إلى مصالح المتقاضين ووضعية المعتقلين و الآجال وتراكم الإجراءات ناهيك عن إلتزامات المحامين و صورة المهنة داخل الرأي العام. وكلما طال التوقف بعد دخول القانون حيز التنفيذ إزدادت إمكانية إنتقال النقاش من عيوب القانون ومسؤولية الحكومة إلى مسؤولية المحامين عن إضطراب مرفق العدالة وهو تحول لا يخدم قضيتهم.

لذلك ومن خلال هذه القراءة المتواضعة من المتوقع عودة صامتة أو غير مشروطة للمحامين، فالسيناريو الأقرب هو إعلان تعليق التوقف لمدة محددة،خاصة أننا في مرحلة إنتخابات تشريعية وهو إعلان بنهاية مهام الحكومة الحالية، و إما إستئناف العمل مقرون بخارطة طريق تتضمن المطالبة بتعديل المواد محل الإعتراض وإعداد مذكرة قانونية وحقوقية مفصلة و رصد آثار تطبيق القانون بطرق أبواب القضاء الدستوري بالآليات المتاحة، والانفتاح على الحكومة والبرلمان المقبلين مع الإحتفاظ بأشكال إحتجاج دورية لا تمس حقوق المتقاضين. وقد تستثنى كذلك بعض الملفات أو الأيام من العمل في مرحلة إنتقالية حتى لا يظهر القرار وكأنه تراجع مفاجئ.
أما إستمرار التوقف الشامل بعد 10 شتنبر فيظل إحتمال قائم إذا قدمت الجمعية برنامج تصعيدي محدد وحصلت على إجماع الهيئات غير أنه يضل السيناريو الأقل قابلية للإستمرار، لأن وحدة التنفيذ تضررت والقانون صار نافذا ولا تظهر إلى الآن تنازلات حكومية ملموسة يمكن إنتزاعها بمجرد تمديد المقاطعة.

ختاما وحسب رأينا المتواضع فالقرار يبقى سيد ما ستقرره جمعية هيئات المحامين ،غير أن عود السادة المحامون للمحاكم تبقى على الأرجح القرار الذي ستحمله ندوة 10 شتنبر، لكن لن تكون العودة إلى الوضع السابق أكثر من أنها ستكون عودة إضطرارية ومحسوبة تحفظ إستمرارية الدفاع ووحدة المهنة، وتنقل المواجهة من منع صدور القانون إلى تعديل القانون ومراقبة تطبيقه. والحكمة ليست في إستمرار التوقف إلى ما لا نهاية ولا في العودة بلا ضمانات، وإنما في تغيير أدوات الإحتجاج حين تتغير المرحلة، فالعودة إلى العمل لا تعني العودة عن الموقف كما أن تعليق الإحتجاج لا يعني إسقاط المطالب.

د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة أكادير والعيون مقبول لدى محكمة النقض

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *