طالما كانت منطقة سوس على مر التاريخ غنية بالمدارس العتيقة التي تنشط بالعلم والتعليم، وبالعلماء والفقهاء والأدباء، وبالمصنفات التي أبدع أصحابها في فروع الفقه واللغة وما يتصل بهما. لكن مع كل هذا الإرث، فإن أغلب هؤلاء لم يهتموا بتقييد الأحداث التاريخية، ولا بتراجم الشخصيات البارزة، ولا بتسجيل إنجازاتهم، ولم يقم بذلك سوى ثلة قليلة من أمثال عبد الرحمان التمنارتي، ومحمد بن أحمد البعقيلي، وامحمد بن أحمد الحضيگي، والرسموكي الذي لا تعرف هويته وصاحب كتاب “الوفيات”، وكذلك داود بن علي الكرامي، وعبد الله بن أحمد الهلالي، ومحمد بن أحمد المانوزي، وغيرهم ممن ألّفوا في الفهارس والرحلات.
ومن المعتاد أن الباحثين الذين جاؤوا في أزمنة لاحقة قد وجهوا اللوم إلى هذا الاتجاه الذي أدى إلى إهمال شخصيات المنطقة وتاريخها المحلي. ومن أوائل الذين نبّهوا إلى هذا الخلل العلامة القاضي عبد الرحمان التمنارتي (الذي توفي سنة 1060هـ)، حيث صرح بخصوص فن التاريخ: «وهذا الفن لم أر له في بلادنا السوس، مع تقادم الأجيال وتوافر الرجال، ذاكرا… فلم يكن لي في ذلك سابق أقتدي به». وبعد مضي أكثر من ثلاثة قرون، جاء العلامة محمد المختار السوسي ليؤكد نفس المعنى، مصرحا بأن علم التاريخ «ميّت عندهم لا يؤبه به»، وأن الناس يستهزئون بمن يتجرأ على الخوض فيه، مما أدى إلى طمس أخبار عظيمة وحوادث قيمة ومصنفات نفيسة.
وبرغم أن هذا الانتقاد مقبول في مجمله، غير أنه ينبغي علينا أن نعترف بوجود الكثير من التدوينات والمؤلفات التاريخية التي لا تزال خفية ومجهولة، ولم يتطرق إليها الباحثون. ومن بين هذه الكنوز هذه الرسالة التي نقدمها اليوم، والتي تثبت أن تراثنا التاريخي المغربي لم يتم اكتشافه بعد بشكل كامل، وأن هناك مخطوطات عديدة تنتظر من يزيح عنها اللثام ويحققها وينشرها.
1- المؤلف من منظور أقرب:
إنه عبد الله بن الحاج شعيب بن حسين بن إبراهيم بن عبد العزيز، الملقب بالهلالي التاليضلائي، وهو عالم من علماء سوس الذين غيبتهم البادية فلم تحفظ كتب التواريخ سيرته ولا أخباره، وذلك على الرغم من أنه عاش في منطقة زاخرة بالمدارس العتيقة والعلماء والفقهاء. جذوره تمتد إلى قرية تاليضلا الهلالية الموجودة في جبال الأطلس الصغير التابعة لإقليم تارودانت (بالقرب من أيت عبد الله وإيغرم).
لا تتوفر معلومات عن مراحل تكوينه الأولى ولا عن شيوخه، باستثناء إشارة عابرة إلى شيخه أبي عبد الله بن أبي مدين الهلالي (وهو من نفس القرية)، حيث ورد ذكره في كتاباته؛ إذ كان هذا التأليف بمثابة رد على رسالة وصلته من ذلك الشيخ. ومن المحتمل أيضا أنه تلقى العلم عن عمه محمد بن وعزيز العجبي، وهو صاحب كتاب “الوصايا الحسان”، وقد ذُكر هو وكتابه هذا في تأليفه. كان هذا الفقيه من كبار قريته: حيث قام ببناء صف جديد في مسجد تاليضلا، وأدخل فيه صلاة الجمعة، وأقام مستودعا عاما للحبوب في قريته، وقام بتدوين عرف حصن تاليضلا وسطح الأقرع سنة 1080هـ. وكانت الفلاحة ورعي الغنم مصدر رزقه، ولم يكن يطلب أجرا على التدريس في المساجد، ويُعتقد أنه تولى الخطابة في مسجد قريته بشكل تطوعي. لقي ربه في قرية أمزاور بمنطقة أيت عبد الله (بسبب زواج إحدى بناته هناك)، ودفن في ذلك المكان، وما زال قبره معروفا هناك ولا توجد عليه قبة. من المصنفات التي نسبت إليه:
– “أنباء ما جرى بين أهل المراكد والهلاليين” (وهي الرسالة التي نعرض لها في هذا التعريف).
– معجم لغوي يشرح المفردات العربية بالشلحية، وقد قام المستشرق الهولندي نيكو فان دن بوگيرت بنشره مترجما إلى الفرنسية سنة 1998.
– دراسة حول مسائل الأعراف والألواح (وهي مقدمة لوح حصن تاليضلا سنة 1080هـ).
– منظومة شعرية تصف طباع الرجال والنساء وقضية الحب وطبيعة الإنسان (أتمها حوالي سنة 1075هـ، وتم نسخها سنة 1118هـ).
– مؤلفان في مجال الوعظ والتذكير (إحداهما تتناول توبيخ القضاة والفقهاء المنشغلين بالدنيا).
أما هذه الرسالة فتمثل سجلا تاريخيا ثمينا كتبه شاهد عيان، يصف فيه ما شاهده بعينيه أو ما نُقل إليه من أحداث ومعارك ونزاعات دارت بين القبائل بقيادة زعمائها المتآمرين، وفي أثناء سرد الوقائع يعرض المؤلف لوصف أحوال المجتمع وحالة الفقهاء والطرقيين، مركزا على تردي الأوضاع وانصراف الغالبية العظمى من الناس نحو مصالحهم وأغراضهم الخاصة.


2- فحوى الرسالة:
عنوانها “أنباء ما جرى بين أهل المراكد والهلاليين”. وهي رسالة موجزة، لا تتجاوز 20 صفحة، وقد وقف المحقق على أصلها ضمن محفوظات المستشرق الفرنسي أرسين روكس، المحفوظة بمركز إيكس آن بروفانس. وكان هذا المستشرق قد شغل منصب مدير ثانوية أزرو سابقا، كما كان مديرا للدروس العربية والأمازيغية بمعهد الدراسات العليا المغربية بالرباط في فترة الاستعمار، وتوفي سنة 1971. لم يطل المؤلف في رسالته كما هو مألوف في بعض المصنفات التاريخية، بل كتبها بهدف تسجيل ما شهده أو نقل إليه من وقائع. تدور فصولها حول نزاع قبلي كبير حدث سنة 1665م (حوالي 1075-1076هـ) بين أهل المراكد والهلاليين، وكان السبب الرئيسي وراءه منافسة شديدة على السيطرة على منجم للنحاس يقع في مدينة تازالاغت في قلب الأطلس الصغير. شهدت المنطقة عمليات قتل ونهب واسعة النطاق، وذلك في ظل الفوضى العامة التي سادت المغرب بعد انهيار الدولة السعدية، وخصوصا بعد وفاة أبي حسون السملالي الذي كان يتزعم إمارة إيليغ سنة 1659م (1070هـ)، وقبل أن يستتب الأمر للسلطان العلوي المولى الرشيد سنة 1670م تقريبا.
يرسم المؤلف صورة حية لحالة سوس التي كانت مضطربة بالصراعات الحادة في مرحلة غياب السلطة المركزية القوية ومندوبيها. فقد ضعفت سلطة المخزن، وتقوى نفوذ قواد القبائل والعرفاء المحليين الذين أصبح الحل والعقد في أيديهم، بينما ضعفت مكانة العلماء والفقهاء والصلحاء لعدم وجود جهة تساندهم وتقويهم. وبالتالي، اشتدت النزاعات وتكاثرت المعارك والحروب بين التحالفات القبلية، مما أدى إلى هلاك عدد كبير من الناس، وانتشار الاضطراب والفوضى في المنطقة خلال تلك المرحلة العصيبة من تاريخ المغرب.
كما يقرر المؤلف أن تعلق الناس بالدين والإيمان لم يكن قد نفذ إلى جوهر أخلاقهم وسلوكياتهم؛ فكلا الفريقين المتصارعين كانوا جميعا مسلمين يتلون القرآن ويواظبون على الأذكار، غير أنهم ابتعدوا عن قياس أفعالهم بضوابط الشرع وقيم العدل، واستسلموا للهوى والعصبية القبلية، فجعلوا من الرؤساء الجهلاء قادة لهم.
وبهذا تكتسب الرسالة – على الرغم من إيجازها – قيمتها من حيث إلقاؤها الضوء على جانب مظلم ومجهول من تاريخ سوس في فترة الفراغ السياسي الذي توسط بين العهدين السعدي والعلوي.
3- الدلالة التاريخية لهذه الرسالة:
يمثل هذا التقييد سجلا حيا للفتن القبلية التي تعصف بالمغرب كلما ضعفت الدولة المركزية، كما حدث بعد وفاة المنصور الذهبي (1012هـ)، وبعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل (1139هـ)، وفي الفترات التي سبقت السيطرة الاستعمارية. إنه يبين الطريقة التي أدت بها الصراعات القبلية إلى تدمير ما بدأه السعديون من بناء حضاري، وكيف أضعفت النسيج المجتمعي وشتت جهود السلطة عن مواجهة القوة الأوروبية الصاعدة، مما جعل البلاد لقمة سائغة أمام الاستعمار في ما بعد. كما يذكرنا هذا الكتاب بأن القوة القبلية – التي كانت عاملا إيجابيا في قيام دول عظيمة كالمرابطين والموحدين – تحولت في فترات الضعف إلى أداة هدم تخلخل البنى الاجتماعية والثقافية. وفي نفس الوقت، تبرز الرسالة أهمية السلطة المركزية القوية والإمامة الدينية باعتبارهما الضامن الوحيد لكبح جماح العصبية ونشر قيم العدل والاستقرار في المجتمع المغربي على امتداد مجاله الترابي.
4- خلاصة القول:
إن هذا الكتاب، الذي يندرج ضمن سلسلة الرسائل السوسية المحققة، يعتبر إضافة هامة إلى الرصيد التاريخي المغربي. وقد افتتحه المحقق بدراسة تناولت البعد الجهوي في تدريس تاريخ المغرب وحضارته (من حيث أسبابه وأهميته ودوره)، ثم انتقل إلى التعريف بالمؤلف (نسبه وأصله وشيوخه وأعماله ومصنفاته)، ثم التعريف بالمخطوط (وصفه ومضامينه وقيمته ومنهج التحقيق الذي اتبعه)، ثم أورد النص المحقق، وأخيرا ذيل العمل بفهرس للمصادر والمراجع.
يأتي هذا الإصدار ليسهم في إثراء المكتبة التاريخية المغربية بمادة محلية أصيلة، وذلك في سياق المساهمة في كتابة تاريخ وطني شامل يعطي كل منطقة حقها، بعيدا عن التركيز الحصري على المدن والحواضر الكبرى. إنه نموذج يحتذى في التنقيب عن المخطوطات المجهولة في الخزائن، وإخراجها إلى النور لكشف جوانب مهمة من التاريخ المحلي والجهوي المغربي، وبهذا يتأكد أن تراث سوس – والتراث المغربي عموما – لا يزال يحمل كنوزا ثمينة تنتظر من يكتشفها ويحققها.
صدر الكتاب في 124 صفحة، عن مطبعة صوم برانت بمدينة أكادير، وذلك ضمن سلسلة الرسائل السوسية المحققة التي يشرف عليها الدكتور المهدي بن محمد السعيدي. وهو الإصدار السادس في ترتيب هذه السلسلة.

 

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *