يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة مقبل على واحدة من أكثر المراحل الانتخابية حساسية في تاريخه ، ليس بسبب قوة المنافسة الحزبية فقط، وإنما بسبب الجدل المتصاعد حول طريقة تدبير ملف التزكيات، وما يرافقه من أسئلة حارقة حول معايير اختيار المرشحين، ومدى احترام إرادة القواعد المحلية، وحجم حضور الاعتبارات التنظيمية والسياسية في صناعة القرار الانتخابي.
ففي الوقت الذي كان يفترض أن تكون التزكيات محطة لتوحيد الصفوف وشحن القواعد استعدادا للمنافسة الانتخابية، تحولت، في نظر منتقدين داخل الحزب وخارجه، إلى مصدر للتوتر والاحتقان، خصوصا مع تداول أسماء مثل عمر أمين بدائرة إنزكان أيت ملول وزينة إدحلي بيشا بدائرة أكادير إداوتنان، إلى جانب الحديث عن زكية الدريوش ضمن اللائحة الجهوية النسائية.
المشكلة، كما يراها الرافضون لهذه الاختيارات، ليست في الأشخاص بقدر ما هي في منهجية الاختيار نفسها: هل تم الاستماع فعلا إلى القواعد والمناضلين والمنتخبين المحليين؟ وهل جرى اعتماد معايير واضحة وشفافة؟ أم أن القرار نزل من فوق، وعلى التنظيم المحلي أن يتكفل فقط بتسويقه للناخبين؟
وهنا تحديدا تبدأ أزمة حزب التجمع الوطني للأحرار .
فالانتخابات ليست مؤتمرا حزبيا يمكن فيه تمرير قرار بالأغلبية، وليست مناسبة بروتوكولية لتقديم أسماء أمام الكاميرات. الانتخابات معركة ثقة، والمرشح الذي لا يمتلك رصيدا محليا كافيا سيجد نفسه أمام اختبار صعب مهما كانت قوة الحزب الذي ينتمي إليه.
والأخطر أن بعض الاختيارات المتداولة تفتح سؤالا مشروعا حول العلاقة بين المرشح والمجال الانتخابي. عندما يشعر الناخب أن شخصا لا يمتلك ارتباطا قويا بالمنطقة أصبح فجأة مرشحا لتمثيلها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: من اختار؟ ولماذا اختار؟ وما هي المعايير التي اعتمدت؟
وهذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بالشعارات أو باللقاءات التواصلية، لأن الناخب في النهاية لا يصوت على الصور واللقاءات، وإنما على أسماء يرى أنها قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالح منطقته.
لقد ارتكبت أحزاب كثيرة أخطاء إنتخابية عندما تعاملت مع التزكية باعتبارها قرارا تنظيميا داخليا فقط، متناسية أن التزكية في حقيقتها رهان على صناديق الاقتراع. وما قد يبدو قرارا ناجحا داخل المكتب السياسي أو التنسيقية قد يتحول إلى خسارة ميدانية عندما يصطدم بالواقع الانتخابي.
وإذا لم تتمكن قيادة حزب الأحرار من احتواء حالة التذمر التي قد تنتج عن بعض التزكيات، فإن الخطر لن يأتي فقط من المنافسين السياسيين، بل من داخل البيت نفسه. فالمناضل الذي يشعر بالإقصاء قد يفقد الحماس، والمنتخب الذي يرى نفسه مهمشا قد يختار الصمت، والقيادة المحلية التي لم تشارك في صناعة القرار قد لا تكون مستعدة لخوض معركة انتخابية بكل قوتها من أجل اسم لم تقتنع به.
وهنا تظهر أخطر ورقة يمكن أن تواجه الحزب: فهي التصويت العقابي.
فالناخب الغاضب لا يحتاج دائما إلى إعلان مقاطعة سياسية أو الانخراط في حملة احتجاجية، يكفي أن يدخل إلى مكتب التصويت ويضع ورقته في صندوق منافس، تعبيرا عن رفضه لطريقة تدبير الحزب للترشيحات. وقد يكون هذا النوع من التصويت أكثر إيلاما للأحزاب، لأنه لا يظهر في الشارع، وإنما يظهر فجأة في النتائج النهائية.
كما أن المقاطعة الانتخابية المحتملة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها عزوفا عن ممارسة الحق الدستوري، بل يمكن أن تكون، في بعض الحالات، انعكاسا لفقدان الثقة في العرض السياسي وفي قدرة الأحزاب على تقديم أسماء يشعر المواطن بأنها تمثله فعلا.
ومن جهة أخرى، فإن أي إستقالات أو إحتجاجات داخلية محتملة بسبب ملف التزكيات ستكون لها كلفة سياسية وإعلامية كبيرة، خصوصا إذا تحولت من حالات فردية إلى موجة تنظيمية. فالحزب الذي يدخل الانتخابات وهو منقسم داخليا يخوض المعركة بجزء من طاقته فقط، مهما حاولت القيادة إظهار صورة الوحدة أمام الرأي العام.
لكن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن تتحول التزكية إلى مكافأة سياسية بدل أن تكون اختيارا انتخابيا، أي أن يصبح السؤال: من يستحق التزكية؟ بدل السؤال الأهم: من يستطيع كسب ثقة الناخبين؟
وفي سوس ماسة، حيث تتداخل الاعتبارات المحلية والعائلية والقبلية والاجتماعية والسياسية بشكل كبير، فإن تجاهل المزاج المحلي قد يكون مكلفا. فالناخب قد يتجاوز الانتماء الحزبي إذا شعر بأن الحزب لم يحترم إرادته المحلية، وقد يتحول المرشح المفروض تنظيميا إلى نقطة ضعف بدل أن يكون نقطة قوة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن سقوط الأحرار إلى الرتبة الخامسة أو السادسة جهويا أو خسارته الجهة وعددا من الجماعات يظل توقعا سياسيا لا نتيجة إنتخابية محسومة. فالانتخابات لا تزال مفتوحة على إحتمالات متعددة، والنتائج ستحددها الحملة الانتخابية، ونسب المشاركة، والتحالفات، وقوة المنافسين، وقدرة الحزب على معالجة أخطائه قبل يوم الاقتراع.
لكن المؤكد أن صناديق الاقتراع لا تجامل أحدا.
فقد يستطيع الحزب فرض إسم داخل التنظيم، لكنه لا يستطيع فرضه على الناخب. وقد تستطيع القيادة تمرير التزكية، لكنها لا تستطيع تمريرها داخل ورقة التصويت. وقد تنجح الاجتماعات في إنتاج صورة عن الانسجام، لكن صناديق الاقتراع وحدها ستكشف حقيقة ذلك الانسجام.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه قيادة الأحرار اليوم ليس: من نريد أن نرشح؟ بل: من يستطيع أن يقنع الناخبين بأن يصوتوا له؟
فإذا لم تكن هناك إجابة مقنعة، فقد تتحول بعض التزكيات من أوراق رابحة إلى قنابل انتخابية موقوتة، وقد يجد الحزب نفسه يوم الاقتراع يدفع ثمن قرارات إتخذت داخل الغرف المغلقة، بينما يكون الناخب هو صاحب الكلمة الأخيرة.
في السياسة، يمكن فرض التزكية… لكن لا يمكن فرض الشعبية.