تعتبر قضية تمكين النساء والفتيات، من الوصول إلى عدالة منصفة، ومستجيبة للنوع الاجتماعي، واحدة من أكبر التحديات الحقوقية التي يواجهها المغرب، في مسار توطيد دولة الحق والقانون، وهي القضية التي شكلت صلب النقاش العميق، خلال اللقاء الجهوي المنظم من طرف اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة كلميم واد نون، بجماعة أمي نفاست، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، تحت شعار : “العدالة المنصفة مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة،” .

حيث جاء هذا الزخم الفكري، في سياق تخليد اليوم العالمي للمرأة، ليعكس وعيا مؤسساتيا بضرورة معالجة الهوة القائمة بين الترسانة القانونية المتقدمة، وبين الواقع السوسيو قضائي، الذي لا يزال يطرح عوائق بنيوية، تحول دون نيل المرأة لحقوقها كاملة، وبشكل ميسر.

اللقاء حضره السيد إبراهيم لغزال، رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان كلميم وادنون، السيد عالي الطيار، المندوب الج الجهوي للتعون الوطني بجهة كلميم وادنون، وعضو جمعية عدالة، السيد جبري مصطفى، المدير الجهوي للتواصل بجهة كلميم وادون، السيد الوكيل العام للملك بمحكمة الإستئناف بكلميم، السيد رئيس محمكمة الإستئناف بكلميم، السيدة ممثلة المنطقة الإقليمية للأمن بكلميم، السيد ممثل نقيب هيئة المحامين لدى محكمة الإستئناف بأكادير وكلميم والعيون، السيد بونان المندوب الجهوي للصحة بجهة كلميم وادنون، السيد ممثل الكاتب العام لفرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بجهة كلميم وادنون، السيد مدير مكتب التعاونيات بجهة كلميم وادنون الأستادة آمال جافوط رئيسة جمعية أمل الوطية لدوي الإحتياجات الخاصة بطانطان، بالإضافة إلى محامون، وفعاليات المجتمع المدني و الحقوفي بجهة كلميم وادنون، وأطر عدة إدارات عمومية بالجهة.

وقد انطلق اللقاء بكلمة تأطيرية، لرئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة كلميم واد نون، السيد إبراهيم لغزال، الذي وضع الحضور في السياق العام لهذه المبادرة، مشددا على أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يحرص دوما على رصد تتبع السياسات العمومية، خاصة ما يتعلق بملاءمة المسطرة الجنائية، مع مقاربة النوع الاجتماعي، وضمان عدم وضع الضحية خاصة المرأة، في قلب المسار القضائي، دون حماية قانونية، وسرعة وإنصاف تليق بكرامتها الإنسانية.

ليتلو ذلك تدفق في التحليلات القانونية والميدانية، عبر مداخلة الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بكلميم، ومداخلة رئيس المحكمة، اللذين قدما رؤية قضائية رصينة، ركزت على أن القضاء ليس مجرد تطبيق آلي للنصوص، بل هو حصن لحماية الحقوق والحريات، مؤكدين على الدور المحوري للنيابة العامة، والقضاء الجالس في تذليل الصعاب المسطرية، وتوفير بيئة آمنة للمرأة، داخل ردهات المحاكم خاصة في القضايا التي تتسم بالهشاشة، أو العنف، مع الإشارة إلى ضرورة أن تكون الأحكام القضائية مرآة، تعكس روح الدستور، الذي يقر المساواة الفعلية.

وفي ذات السياق التكاملي، جاءت مداخلة ممثلة رئيس المنطقة الإقليمية للأمن بكلميم، لتعزز هذا الطرح من زاوية أمنية وقائية، تركز على أنسنة مراكز الاستقبال، وتجويد التعاطي الأمني، مع النساء ضحايا العنف، كخطوة أولى وأساسية في مسار الولوج للعدالة، إذ أن المعاملة المهنية والحساسة للنوع الاجتماعي، في مراكز الشرطة، هي التي تشجع النساء على كسر حاجز الصمت، والمطالبة بحقوقهن دون خوف، من وصم اجتماعي، أو إهمال إداري.

ولم تقتصر الرؤية على الجانب الرسمي، بل تعمقت عبر صوت الدفاع الذي مثله السيد نقيب هيئة المحامين، لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم والعيون، حيث أبرز دور المحاماة كشريك أصيل، في تحقيق العدالة، وعنصر ضامن للمحاكمة العادلة، مستعرضا العوائق المادية واللوجستيكية، التي قد تعيق النساء في المناطق النائية بالجهة، عن طلب الاستشارة القانونية.

وهو ما يتقاطع تماما، مع ما طرحه ممثل الكاتب العام لفرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بجهة كلميم واد نون، الذي ركز في مداخلته على المسؤولية الجسيمة للإعلام، في صناعة وعي قانوني مجتمعي، يناهض التمييز، ويسلط الضوء على قصص النجاح الحقوقي، معتبرا أن الصحافة هي العين الرقيبة، التي تضمن شفافية المسارات القضائية، وتدفع نحو إصلاح الاختلالات المرصودة.

ولأن العدالة يجب أن تشمل الجميع، دون استثناء، فقد أضفت مداخلة الأستاذة آمال جافوط، عن جمعية أمل الوطنية لذوي الاحتياجات الخاصة، بعدا إنسانيا وحقوقيا عميقا، حينما تحدثت عن التقاطعية في المعاناة، مبرزة أن النساء من ذوي الاحتياجات الخاصة، يواجهن تحديات مضاعفة تتطلب ولوجيات خاصة، ومساطر استثنائية، تأخذ بعين الاعتبار ظروفهن الجسدية والتواصلية، لضمان عدم ضياع حقوقهن، بسبب عوائق مادية بسيطة، يمكن تجاوزها بالإرادة المؤسساتية.

إن هذا النقاش الذي امتد لساعات طوال، لم يكن مجرد استعراض للنصوص، بل كان تشريحا دقيقا لثلاثة محاور كبرى، أولها الإطار القانوني الوطني، الذي رغم مكتسباته التشريعية، لا يزال يواجه تحديات في التنفيذ، وثانيها المسطرة القضائية التي تعاني أحيانا من التعقيد، وطول الآجال، وارتفاع الكلفة، مما ينفر الفئات الهشة، وثالثها العوائق البنيوية، والثقافية، التي تكرس تبعية المرأة، وتحد من قدرتها على اتخاذ قرار اللجوء للقضاء.

ومن هنا خلص اللقاء، إلى أن تحقيق العدالة المنصفة، يمر حتما عبر تضافر جهود الجميع، من قضاء، وأمن، ودفاع، ومجتمع مدني، وإعلام، لخلق منظومة قضائية، لا تكتفي فقط بنطق الأحكام، بل تضمن الحماية والكرامة ، والإنصاف لكل نساء وفتيات جهة كلميم واد نون، في أفق بناء مغرب يتسع للجميع، ويسوده القانون والعدل.
