في إطار الاحتفالات بالذكرى السبعين لعيد الاستقلال المجيد، إحتضنت مدينة أسا فعاليات الدورة العاشرة من “الملتقى الدولي للواحات بمناطق المغرب الصحراوي”. الملتقى، الذي نظمه “مركز الشباب الصحراوي للإبداع الاجتماعي” خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 29 نونبر 2025، رفع شعارا محوريا : “التراث الثقافي، الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة أساسية للتنمية الترابية بالمجالات الصحراوية الواحية”.

إفتتح هذا الحدث العلمي يوم الجمعة 28 نونبر 2025 بحضور رسمي، شمل الكاتب العام لعمالة أسا، ورئيس المجلس الجماعي، وباشا المدينة، ورؤساء المصالح الخارجية، إلى جانب نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين في المجال، وفعاليات المجتمع المدني، والحقوقي بأسا، وبجهة كلميم واد نون.

وفي كلمته الافتتاحية، استهل السيد بوتوميت بوجمعة، رئيس المركز المنظم، بالتعبير عن الفخر بالقرار الأممي الذي أكد على الحل الوحيد لنزاع الصحراء المغربية وهو مقترح الحكم الذاتي. ثم انتقل ليؤكد أن إنقاذ الواحات من تحدياتها الوجودية وتحقيق ازدهارها يمر عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد ترتكز على الهوية، الاقتصاد التضامني، والتنمية المحلية، مشددا على أن التصدي لهذه التحديات يتطلب تضافر الجهود بين الباحثين وصناع القرار والساكنة المحلية.
وأضاف السيد بوجمعة أن هذه الدورة هي صرخة لإحياء الروح التضامنية، وتحويل أصالتنا الثقافية إلى رافعة اقتصادية مستدامة.

واختتم الجزء الأول من الملتقى بتكريم كفاءات وطنية ومحلية في مجالات التعليم والسياسة والمجتمع، وتلاوة برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

وفي الجزء الأكاديمي، تعمق الأساتذة والباحثون في كون التنمية في المناطق الواحية يجب أن تكون مندمجة، تنطلق من خصوصية المجال وتاريخه. الجلسة الأولى، عمّقت النقاش في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حيث أكد الخبراء على ضرورة دعم البنى التنظيمية المحلية، ممثلة في التعاونيات والجمعيات، كأدوات فعالة لخلق مشاريع مدرة للدخل، مشددين على أن تبسيط مساطر الحصول على التمويل التضامني هو شرط أساسي لنجاح هذه المبادرات.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور الزين الدين، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، في مداخلته، أن الواحات اليوم تحتاج إلى مقاربة إنسانية قبل أن تكون اقتصادية، عبر التكوين النوعي الذي يلائم كفاءات شبابها ومهاراتهم التقليدية لدمجهم الفاعل في نسيج الاقتصاد الاجتماعي.

كما لفت الدكتور أحمد رشيد، الانتباه إلى أن الحكامة الرشيدة في تسيير هذه المشاريع، إلى جانب تطوير الكفاءات عبر تكوين نوعي ملائم لخصوصية المنطقة، هما الضمان لاستدامة النمو ومواجهة تحديات الهشاشة.
وفي سياق متصل، سلطت الجلسة الثالثة، الضوء على آليات التسويق الترابي، حيث قدم الدكاترة تحليلا لضرورة تطبيق مبادئ الذكاء الاقتصادي لتعزيز التنافسية للمنتجات الواحية الأصيلة. وفي إثراء للنقاش، أشارت إحدى المشاركات الفاعلات في المجتمع المدني، إلى الأهمية القصوى لدور المرأة الواحية، فالمرأة هي حارسة سر الواحة وذاكرتها الحية، وتفعيل مشاركتها الاقتصادية عبر التعاونيات النسائية هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على الحرف المهددة بالاندثار، وتحويل التراث إلى مصدر دائم للدخل.
هذا التأكيد على الدور النسائي يعزز فكرة أن المشاريع التضامنية توفر فرص عمل مستدامة وتحد من هجرة الشباب، وهو ما يستدعي مواكبة قوية عبر سياسات اجتماعية وحكومية محفزة.

ولم يغفل الملتقى البعد الثقافي والتراثي، حيث خصصت الجلسة الثانية، برئاسة الدكتور أحمد الشايهي، لمناقشة صون التراث المادي واللامادي. وقد تم التأكيد على أن التراث الحساني، بشعره وفنونه، يمثل رأس المال الرمزي للمنطقة، مما يستوجب توثيقه رقميا وتناقله بين الأجيال لحمايته من الاندثار.
كما تم تقديم جرد لتحديات حماية الفن الصخري والمواقع الأثرية بإقليم آسا الزاك، وهو شاهد على تاريخ المنطقة العريق وتكيفها مع محيطها البيئي.

وفي الجلسة الختامية، تم التعمق في الهوية التاريخية لواحات أسا والجنوب المغربي، حيث استعرض الباحثون إشارات من التاريخ القديم للمنطقة لاستخلاص الدروس التي تخدم الاستراتيجيات التنموية المعاصرة، مؤكدين أن الاستثمار في التكوين والبحث العلمي في هذا المجال هو استثمار في مستقبل الواحات.
وفي تصريح لجريدة الواحة الإخبارية، أكد الأستاذ بجامعة إبن زهر، أحمد الشاهي، على أن الملتقى يتجاوز كونه حدثا أكاديميا، ليصبح تجسيدا فعليا لسياسة القرب، والاهتمام الملكي بالواحات الصحراوية.

وأشار الأستاذ أحمد، إلى أن هذه الملتقيات تضطلع بدور محوري في تثمين الدعم الأكاديمي والبحثي للمبادرات الوطنية الكبرى، مثل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، وبشكل خاص القرارات الأممية الداعمة لمغربية الصحراء.
واختتم الأستاذ أحمد، تصريحه بالدعوة إلى مضاعفة الجهود لتسريع وتيرة المشاريع الهيكلية والبيئية لدعم الاقتصاد التضامني، لتبقى الواحات الصحراوية، كما أرادها لها الجميع، مركز إشعاع تنموي حقيقي للمنطقة.

ولم تقتصر فعاليات الملتقى على الجانب الأكاديمي الصرف، بل توجت في يومها الختامي، بتنظيم سهرة فنية متميزة على شرف المشاركين. وقد كانت هذه السهرة بمثابة فسحة ثقافية وإنسانية، قدمت من خلالها إحدى الفرق الفنية المحلية عرضاا تنوع بين الموروث الحساني الأصيل والموسيقى المغربية المعاصرة.
لقد شكلت هذه السهرة الختامية فرصة للمشاركين من مختلف التخصصات لتبادل الآراء في جو احتفالي، مما عكس روح التضامن، والاحتفاء بالتراث الثقافي للمنطقة، وأكد على أهمية الجانب الاجتماعي والترفيهي في إنجاح مثل هذه التظاهرات.
