بقلم خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي عضو مجلس جهة سوس ماسة
ليست جهة سوس ماسة مجرد مجال إداري يُعرَّف بحدوده الجغرافية، ولا تختزل في توصيف جاهز يُقدَّم على أنه حقيقة مكتملة. فاختزالها في كونها “جهة أمازيغية” يعبّر عن جزء من الحقيقة، لكنه لا يلامس عمقها الحضاري المركّب. نحن أمام فضاء تتقاطع فيه روافد متعددة، تشكّل مجتمعة بنية هوياتية غنية، تتجاوز الأحادية نحو تركيب متوازن بين الأصول والتاريخ والتحولات.
سوس ماسة هي، في جوهرها، هوية تراكُمية:
جذورها أمازيغية راسخة، وامتدادها الحساني يعكس حركية تاريخية للهجرات والاستقرار، وحضورها العبري-اليهودي يمثل جزءًا أصيلاً من الذاكرة الوطنية، كما أن عمقها الإفريقي يضعها في قلب انفتاح المغرب على امتداده القاري. هذا التعدد لا ينبغي أن يُقرأ كفسيفساء متجاورة، بل كمنظومة متداخلة أنتجت شخصية مجالية متفردة.
ولعل الدلالة الرمزية للاسم ذاته تضيف بعدًا تأويليًا غنيًا؛ فكلمة “سوس” تُكتب في العبرية: סוס، وتعني الحصان، رمز القوة والحركة والتحمّل. وليس من باب الصدفة أن تُقاس قوة المحركات إلى اليوم بـ“الأحصنة”، في استمرارية دلالية لافتة تربط بين المعنى القديم وأدوات العصر. كأن سوس ماسة، في عمقها الرمزي، ليست فقط مجالًا جغرافيًا، بل طاقة حضارية في حالة حركة دائمة.
هذا التعدد لم ينشأ اعتباطًا، بل هو نتيجة مسار تاريخي طويل جعل من الجهة مجال عبور واستقرار وتفاعل. موقعها الاستراتيجي بين الشمال والجنوب، وديناميتها التجارية والثقافية، وقدرتها على استيعاب الاختلاف، كلها عوامل ساهمت في تشكيل هذا الغنى. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود التعدد، بل في كيفية إدراكه وتدبيره.
فحين لا يُترجم هذا الغنى إلى اعتراف متوازن، قد تنشأ فجوات في الإحساس بالانتماء، ويبرز شعور بالتهميش الرمزي لدى بعض المكونات، وتتراجع تعبيرات ثقافية إلى الهامش، رغم كونها جزءًا من النسيج العام. وهنا يتحول التنوع من طاقة إيجابية إلى توتر كامن، ليس بسبب طبيعته، بل بسبب غياب عدالة في تمثّله.
لقد حسم دستور المملكة المغربية 2011 هذا النقاش من حيث المبدأ، حين نصّ في ديباجته على أن الهوية المغربية موحّدة وغنية بتعدد روافدها، وفي صدارة هذه الروافد: الأمازيغية، العربية-الإسلامية، الحسانية، الإفريقية، والأندلسية والعبرية. إن هذا الإقرار لا يشكّل فقط توصيفًا رمزيًا، بل يؤسس لشرعية دستورية لحماية هذا التعدد وتدبيره.
وعليه، فإن الرهان لم يعد في إثبات وجود التنوع، بل في تحويله إلى سياسة عمومية منصفة، تُدمج كل الروافد في التعليم والثقافة، وتثمن كل التعبيرات الفنية دون تراتبية، وتضمن لكل مكوّن موقعه داخل الذاكرة المشتركة. فالهويات لا تُدار بالخطاب الاحتفالي، بل بمنطق مؤسساتي يحقق العدالة الرمزية ويعزز الانتماء.
في هذا السياق، تبرز أكادير، عاصمة الجهة، بوصفها أكثر من مركز إداري. فـ“أكادير” في أصلها الأمازيغي تعني المخزن الجماعي المحصّن، أي فضاء حفظ الثروة وتنظيمها وتقاسمها. ويمكن اليوم إعادة تأويل هذا المعنى ضمن أفق معاصر، باعتبارها “مركز تجميع للمعطيات” (Data Centre) هوياتي، تُختزن فيه الذاكرة، وتُعاد معالجتها، وتُترجم إلى سياسات ومشاريع ورؤية تنموية.
ليست أكادير مجرد مدينة، بل يمكن أن تُقرأ كـعقل منظِّم للتعدد داخل الجهة، منصة توازن بين مكوناتها، وفضاء لإنتاج معنى مشترك يُحوّل التنوع إلى قيمة مضافة، لا إلى خطوط تماس.
إن جهة سوس ماسة تقف اليوم أمام لحظة حاسمة. ففي زمن تتصاعد فيه أسئلة الهوية عالميًا، لم يعد كافيًا الاكتفاء بوصف التعدد، بل أصبح من الضروري تدبيره بوعي استراتيجي. وهنا تكمن الفرصة: أن تتحول الجهة من مجال متعدد، إلى نموذج مغربي متقدم في إدارة التعدد داخل الوحدة.
إن قوة سوس ماسة لا تكمن في أحد مكوناتها، بل في قدرتها على جمعها داخل أفق واحد.
والتحدي الحقيقي ليس في تعريف الهوية، بل في تحويلها إلى مشروع مجتمعي عادل، وتنمية مندمجة، ووعي جماعي ناضج.
حينها فقط، لن تكون سوس ماسة مجرد جهة…
بل درسًا مغربيًا في كيف يتحول التنوع إلى قوة.
أكادير في 27\04\2026
