تضع طريقة تدبير التزكيات الانتخابية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة الحزب أمام اختبار سياسي وتنظيمي دقيق، بعدما برز اسم المناضلة والفاعلة الجمعوية والأستاذة رشيدة بوهيا، نائبة رئيس جماعة إنزكان، خارج حسابات التزكية الخاصة باللائحة الجهوية للنساء، في مقابل توجه الحزب نحو تزكية مرشحة من خارج الجهة. وبينما تبدو التزكية، في ظاهرها، قراراً تنظيمياً داخلياً، فإن انعكاساتها على أرض الواقع قد تتجاوز حدود اللائحة الجهوية لتطال عدداً من المرشحين والحسابات الانتخابية للحزب بمختلف الدوائر.

ففي الانتخابات، لا تمثل التزكية مجرد إعلان عن اسم مرشح أو مرشحة، وإنما هي قرار سياسي وتنظيمي يحدد هوية من سيخوض المعركة الانتخابية باسم الحزب، ويؤثر بشكل مباشر في طبيعة التحالفات المحلية، وحجم التعبئة الميدانية، وقدرة المرشح على استقطاب الأصوات. ولذلك، فإن استبعاد شخصية لها حضور قوي داخل شبكات مهنية وثقافية وجمعوية وسياسية، مثل الأستاذة رشيدة بوهيا، قد يتحول من مجرد قرار تنظيمي إلى عامل مؤثر في ميزان القوى الانتخابي.

وتكمن حساسية الوضع في أن رشيدة بوهيا، وفق ما يتداول داخل الأوساط المحلية، لا تستمد حضورها فقط من انتمائها الحزبي، وإنما من شبكة واسعة من العلاقات والامتدادات وسط فئات من الأساتذة والباحثين والمثقفين والفاعلين الجمعويين من رجال ونساء و شباب، فضلاً عن حضورها في عدد من الأوساط النسائية والمدنية بجهة سوس ماسة. وهذه القاعدة، إذا لم تجد نفسها ممثلة في الاختيار الرسمي للحزب، قد تصبح عاملاً مستقلاً في تحديد اتجاه جزء من الأصوات.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع حزب التجمع الوطني للأحرار احتواء تداعيات هذا الاختيار، أم أن استبعاد بوهيا قد يفتح الباب أمام تشتت جزء من الأصوات التي كان يمكن أن تصب بشكل طبيعي في اتجاه لوائح الحزب؟

المعادلة الانتخابية في هذه الحالة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد منافسة على مقعد في اللائحة الجهوية للنساء. فالأصوات لا تتحرك دائماً وفق المنطق التنظيمي الصرف، وإنما تتأثر أيضاً بعوامل الشخصية، والثقة، والعلاقات المحلية، والامتداد الاجتماعي، والقدرة على التعبئة. وفي حال قررت بوهيا الاستمرار في المشهد السياسي من خارج اللائحة الرسمية للحزب، سواء عبر دعم مرشح آخر، أو خوض الاستحقاق بصفة مستقلة، أو من خلال حزب منافس، فإن جزءاً من الأصوات التي كان الحزب يعتبرها ضمنياً جزءاً من رصيده الانتخابي قد يصبح عرضة لإعادة التوجيه.

وهذا السيناريو، إن تحقق، قد لا يتوقف تأثيره عند اللائحة الجهوية للنساء، بل يمكن أن يمتد إلى مرشحين آخرين يخوضون المنافسة باسم الحزب في دوائر مختلفة، وفي مقدمتهم عمر أمين في إنزكان أيت ملول وزينة إدحلي في أكادير إداوتنان، وزكية الدريوش في اللائحة الجهوية، باعتبار أن المعركة الانتخابية المحلية والجهوية غالباً ما تتداخل فيها شبكات الدعم والتعبئة والأصوات.

فإذا تحولت حالة الاستياء إلى انقسام انتخابي، فإن المرشحين الرسميين سيجدون أنفسهم أمام معادلة أكثر صعوبة: منافسة الأحزاب الأخرى من جهة، ومحاولة الحفاظ على وحدة القاعدة الانتخابية من جهة ثانية. كما أن أي فتور أو مقاطعة من جانب بعض المناضلين والمتعاطفين مع بوهيا قد يؤثر في الحملة الميدانية، خصوصاً أن الانتخابات لا تُحسم فقط بالأسماء المرشحة، وإنما كذلك بمدى قدرة التنظيم المحلي على التعبئة والتواصل مع الناخبين، وتوفير المتطوعين والمنسقين ومراقبي مكاتب التصويت.

والأخطر بالنسبة للحزب أن يتحول قرار التزكية إلى قضية سياسية تتجاوز أصحابها، بحيث يصبح النقاش العام منصباً على سؤال أكثر حساسية: لماذا تم اختيار مرشحة من خارج الجهة، في وقت توجد فيه كفاءات ووجوه نسائية محلية قادرة على خوض المنافسة؟

ففي الحسابات الانتخابية، للانتماء الجغرافي والسياسي والاجتماعي وزن لا يمكن تجاهله. والمرشحة القادمة من خارج الجهة قد تكون أمام تحدي بناء شرعية انتخابية في وقت قصير، في حين أن منافستها المحلية المفترضة تكون قد راكمت سنوات من العلاقات والحضور والتواصل مع الفاعلين والناخبين.

وهذا لا يعني بالضرورة أن المرشحة الجديدة عاجزة عن المنافسة، وإنما يعني أن عليها خوض معركة إضافية تتمثل في بناء قاعدة محلية وتعويض فارق الحضور والامتداد الذي قد تتمتع به شخصيات نسائية من أبناء جهة سوس ماسة.

كما أن طريقة تدبير هذا الملف قد تكون لها تداعيات داخلية. فالقواعد الحزبية لا تنظر دائماً إلى التزكيات باعتبارها قرارات تقنية، بل قد تعتبرها مؤشراً على طبيعة العلاقة بين القيادة والقواعد المحلية. وإذا شعرت فئات من المناضلين بأن الاختيارات لا تعكس موازين القوى داخل الجهة، فقد يظهر نوع من البرود التنظيمي خلال الحملة الانتخابية، وهو ما قد يضعف قدرة الحزب على خوض الاستحقاقات بنفس الزخم الذي يراهن عليه.

ومن جهة أخرى، يظل سيناريو “الرحيل السياسي” من أكثر السيناريوهات التي يمكن أن تقلق أي حزب قبيل الانتخابات. فإذا اختارت شخصية مثل رشيدة بوهيا، ذات الحضور الاجتماعي والسياسي القوي و النزيه، مغادرة الحزب والانتقال إلى صفوف منافس، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخسارة عضو أو مناضلة، وإنما بإمكانية انتقال جزء من شبكة العلاقات والتأثير معها. أما في حال قررت خوض الانتخابات بشكل مستقل، فقد يؤدي ذلك إلى تفتيت الأصوات داخل المجال الانتخابي نفسه، وهو ما قد يخدم المنافسين أكثر مما يخدم أي طرف من أطراف الانقسام.

وفي المقابل، قد تستفيد رشيدة بوهيا من عامل آخر يتمثل في التعاطف الانتخابي. فالشخصية السياسية التي تقدم نفسها باعتبارها تعرضت للإقصاء قد تجد تعاطفاً من الناخبين ومن فئات ترى في الاستبعاد قراراً غير منصف، خصوصاً إذا نجحت في تحويل القضية من خلاف داخلي إلى خطاب سياسي أوسع حول تمثيلية أبناء وبنات الجهة وأحقية الكفاءات المحلية في الترشح باسمها.

غير أن كل هذه السيناريوهات تبقى رهينة بما ستؤول إليه التطورات خلال الأيام المقبلة، وبما إذا كان الحزب سينجح في تدبير تداعيات قرار التزكية واحتواء أي توتر داخل صفوفه.

و المؤكد أن ملف التزكيات لا ينتهي بمجرد إعلان الأسماء. فالحزب الذي يدخل الانتخابات موحداً حول مرشحيه يمتلك أفضلية تنظيمية مهمة، بينما قد تتحول الخلافات غير المحسومة إلى أصوات متفرقة ومساحات إضافية يستفيد منها المنافسون.

وبالنسبة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار في سوس ماسة، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يحمل اسم الحزب على اللائحة الجهوية والمحلية، وإنما بما إذا كان الحزب قادراً على الحفاظ على وحدة خزان أصواته، واستيعاب الغاضبين، وتحويل الكفاءات المحلية إلى قوة انتخابية بدل أن تتحول إلى منافسين محتملين.

فالانتخابات لا تُحسم دائماً بمن يحصل على التزكية أولاً، وإنما بمن يستطيع يوم الاقتراع أن يجمع أكبر قدر من الأصوات ويحافظ على تماسك شبكته الانتخابية. وفي سوس ماسة، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع الاعتبارات المحلية والشخصية والمجالية، قد يكون لقرار واحد في ملف التزكية أثر يتجاوز بكثير صاحبه، ليصل إلى عدد من المرشحين واللوائح والحسابات الانتخابية للحزب ككل.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح الأحرار في احتواء تداعيات استبعاد رشيدة بوهيا، أم أن قرار التزكية سيفتح جبهة انتخابية جديدة داخل البيت نفسه، ويدفع جزءاً من الأصوات إلى إعادة رسم وجهتها؟

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *