يندرج الكتاب ضمن مشروع فكري ومعرفي للباحثة يضع تأهيل الإنسان لمواكبة التحول الرقمي في صلب اهتمامه؛ ليس فقط بتمكينه من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل ببناء قدرته على فهمها، وتقييم مخرجاتها، والاستفادة من إمكاناتها، مع الحفاظ على استقلاله في التفكير والحكم والاختيار وتحمل المسؤولية.

فالكتاب لا ينطلق من الانبهار بالتقنية، ولا من الخوف منها ،
وإنما من المساحة الأهم بينهما: مساحة الفهم؛ أي فهم ما يمكن أن نُفوّضه للآلة، وما ينبغي أن يبقى تحت الحكم البشري، وكيف نتحقق من المخرجات ونقيس أثر التقنية في الإنسان وجودة حياته، لا في سرعة الإنجاز وحدها.

ومن هنا تتضح خصوصية المجالات التي تناولها الكتاب :
إذ يبدأ بفهم الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ثم ينتقل إلى الأسرة والتنشئة وبناء الوعي، فـالتعليم والبحث العلمي وإنتاج المعرفة، ثم الإعلام وصناعة التأثير والثقة ومواجهة التضليل، وصولًا إلى استشراف التحولات المستقبلية وبناء الإنسان وضبط حدود العلاقة بينه وبين الآلة. وهي ليست مجالات متفرقة، بل حلقات مترابطة في دورة تكوين الإنسان وصناعة وعيه.

وتكمن الإضافة الأساسية للكتاب: في أنه لا يقدّم الذكاء الاصطناعي باعتباره غاية في ذاته، بل يجعل الإنسان هو الغاية والمعيار؛ فالقيمة الحقيقية للتقنية لا تقاس فقط بما تختصره من وقت أو بما تنتجه من محتوى، وإنما بما إذا كانت توسع المعرفة والإبداع والاستقلال، أو تقود إلى الكسل المعرفي والتبعية وفقدان القدرة على الحكم.

كما يجمع الكتاب بين الأدلة العلمية، والتحليل الإنساني، والتطبيق العملي، ويستند إلى الدراسات المحكمة والمراجعات العلمية وتقارير المؤسسات الدولية، مع التمييز بين ما تثبته الأدلة، وما يزال محل نقاش، وما يندرج ضمن التحليل والاستشراف. ويضم نماذج تطبيقية في التعليم والبحث العلمي، ومنها بحوث العلوم الشرعية وعلم النفس الاجتماعي والسلوكي، إلى جانب دراسات حالة في المجال الإعلامي وقضايا التضليل والتزييف العميق والتحقق الرقمي.

وتكتسب هذه الرؤية خصوصيتها كذلك من المسار البيني للباحثة؛ إذ تتقاطع اهتمامات الدكتورة دنيا تامري وتكويناتها بين العلوم الشرعية والاقتصاد الإسلامي، وعلم النفس الإكلينيكي، والتواصل والإعلام الحديث والسمعي البصري، والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إلى جانب خبرتها في التدريس والتكوين والاستشارة النفسية والتربوية وتنمية المهارات الحياتية والناعمة والتفوق الدراسي والأكاديمي. وقد أسهم هذا التداخل بين المسار البحثي والخبرة التطبيقية في بناء مقاربة لا تفصل بين التقنية والإنسان، ولا بين المعرفة والممارسة، بل تقرأ التحول الرقمي في أبعاده المعرفية والنفسية والتربوية والإعلامية والقيمية.

ولهذا يخاطب الكتاب المتخصص وغير المتخصص معًا؛ فالباحث والأكاديمي يجدان فيه قضايا ونماذج ومداخل متعددة التخصصات قابلة للنقاش والبحث، بينما يجد القارئ العام إطارًا يساعده على فهم التحول الذي يعيشه والتعامل معه بوعي، بعيدًا عن الانبهار غير النقدي أو الخوف غير المؤسس.

وقد لخّص الكتاب غايته في تقديم «إطار للفهم، ومنهج للتحقق، وأدوات للنقد، ورؤية تساعد الإنسان على استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل له عن استقلاله ومسؤوليته».

وفي جوهره، هو مشروع لتأهيل الإنسان حتى يدخل عصر التحول الرقمي مستفيدًا من خيره، واعيًا بمخاطره، وقادرًا على توجيه التقنية دون أن يفقد نفسه داخلها.
فالمسألة لم تعد فقط: إلى أي حد ستصبح الآلة أكثر قدرة؟
بل: كيف نبني إنسانًا أكثر وعيًا كلما ازدادت قدرة الآلة؟

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *