يبدو نص “حلمي حب”،للصديق أحمد فارس‘ المنشور في مجلة أصوات، يبدو في ظاهره، نصا وجدانيا يحتفي بالحب، غير أن الاقتراب منه من زاوية ثقافية يكشف عن كتابة تتجاوز الاعتراف العاطفي إلى مساءلة صورة المغربية والمغرب في المخيال المعاصر. فالحب الذي يعلنه الشاعر منذ البداية، بوصفه حلما “بسيطا” مكونا من حرفين، لا يظل حبيس التجربة الفردية، بل يتسع شيئا فشيئا ليصبح حبا للمرأة، وللأسرة، وللذاكرة، وللوطن.

تنبني القصيدة على حركة دلالية لافتة: من “أنا وأنت” إلى “نحن”، ومن الحلم الشخصي إلى الحلم الجمعي، فحين يقول الشاعر: “حلمي أنت وأنا، وآخرون من حولنا… حلمي حلم إنسان وإنسانة”، فإنه يضع الحب في سياقه الإنساني والاجتماعي، بعيدا عن اختزاله في علاقة عاطفية مغلقة، الأم والأخت ورفيقة الدرب، كما ترد في النص، ليست مجرد شخصيات عابرة، بل تمثل دوائر الانتماء الأولى التي تتشكل داخلها الذات وتتعلم من خلالها معنى الألفة والوفاء والعيش المشترك.

غير أن البعد الثقافي الأكثر إثارة يظهر في المقطع الذي يقول فيه الشاعر:

حلمي ليس شوكولاطة،

ولا شوبينغ،

ولا سهرة فناير،

وتغريدة المروكية..

فهنا ينتقل النص من الحب باعتباره تجربة شخصية إلى الحب باعتباره سؤالا حول تمثيل الهوية المغربية، فهذه المفردات تستحضر بعض العلامات المتداولة في الثقافة الشعبية المغربية المعاصرة، لكنها لا تستحضر للاحتفاء بها احتفاءً ساذجا، بل تأتي في سياق النفي: ” حلمي ليس” وكأن الشاعر يقول إن مغربيته لا تختزل في مجموعة من العلامات الجاهزة التي يمكن استهلاكها وتداولها بوصفها تمثيلا للمغرب.

وتكتسب عبارة ” تغريدة المروكية ” دلالة خاصة داخل هذا السياق، فهي تحيل إلى أغنية لمجموعة فناير، وما أثارته من نقاش واستنكار لدى جزء من الجمهور المغربي بسبب الحمولة القدحية التي يمكن أن يحملها هذا المصطلح في الوعي اللغوي والثقافي المغربي، وهو ما انتهى إلى استبداله بلفظة ” المغربية ” ولذلك فإن استدعاء الشاعر لهذه العبارة لا يبدو مجرد إحالة إلى أغنية معروفة، وإنما يحمل في طياته ذاكرة الجدل حول الكلمة نفسها، وحول الطريقة التي نسمّي بها ذواتنا ونمثل بها هويتنا.

ومن هذه الزاوية، تصبح اللغة في النص أكثر من أداة للتعبير؛ إنها جزء من موضوع القصيدة، فالكلمة ليست محايدة دائما، وقد تتحول إلى فضاء للتفاوض حول الهوية والكرامة والانتماء، وما حدث مع لفظة “المروكية” يكشف أن تسمية الهوية قد تكون فعلاً ثقافياً حساسا، لأن الفرق بين كلمة وأخرى قد ينقل الدلالة من الاعتزاز إلى الانتقاص، ومن التسمية إلى الوصم، وهنا يلتقي النص، بصورة ضمنية، مع التصورات السوسيولوجية التي ترى في اللغة مجالاً للصراع حول الشرعية والتمثيل والاعتراف.

لكن الشاعر لا يكتفي برفض هذه العلامات؛ فهو يقترح، في المقابل، تصورا آخر للمغربية، فبعد أن يقول ما ليس حلمه، يعود ليقول:

“حلمي السيدة المغربية،

والشابة المغربية…”

فتصبح المرأة المغربية مركزا رمزيا تتقاطع فيه الهوية والجمال والذاكرة والوطن، المرأة هنا ليست مجرد موضوع غزلي، بل تتحول إلى صورة مكثفة للمغرب الذي يحبه الشاعر. ومن ثم فإن الانتقال من “الحبيبة” إلى “المغربية” ثم إلى “البلد” ليس انتقالا عرضيا، بل هو المسار العميق الذي تنتظم حوله القصيدة كلها.

وتؤكد الخاتمة هذا المعنى حين يقول:

“حلمي أنتِ،

وحلمي بلدي،

وعشقي حتى قبري.”

فالحبيبة والوطن يبدوان هنا وجهين لعاطفة واحدة، إن حب المرأة يتماهى مع حب المكان، والحلم الشخصي ينفتح على الانتماء الجمعي. وهكذا لا يعود الوطن في النص مجرد جغرافيا أو علم أو رمز سياسي، بل يصبح شيئا حميما يسكن الذاكرة والوجدان، ويتجسد في المرأة والحكاية واللغة والتفاصيل اليومية.

وتتضافر الصورة البصرية مع هذا البناء الثقافي؛ فالمرأة المغربية تظهر في فضاء معماري مغربي، والعلم الوطني حاضر في لباسها، بينما تحيط بها عناصر من المشهد التقليدي، إن الصورة، شأنها شأن النص، لا تكتفي بتقديم امرأة، وإنما تبني تمثلاً بصريا للمغربية؛ أي أنها تجمع بين الأنوثة والمكان والرمز الوطني في صورة واحدة.

ومع ذلك، فإن هذه الرؤية تظل رؤية انتقائية ورومانسية للمغرب؛ فهي تميل إلى إبراز عناصر الهوية الأكثر دفئا وجاذبية: المرأة، المدينة، الذاكرة، الحكاية، الرموز الشعبية والوطنية، ولا تدخل كثيرا في تعقيدات الهوية المغربية وتعددها واختلافاتها، ولذلك فإن قيمة النص ليست في تقديم تعريف شامل للثقافة المغربية، وإنما في كشف كيفية تخيلها وتمثلها وجدانيا

في النهاية، يمكن القول إن “حلمي حب” ليس مجرد قصيدة غزلية ذات خلفية وطنية، بل هو نص يشتغل، بوعي أو بدونه، على سؤال الهوية والتمثيل الثقافي، إنه يبدأ من “حلمي: حب” وينتهي إلى “حلمي بلدي”، وبين البداية والنهاية يعيد الشاعر ترتيب علاقته بالمغرب: لا مغربية العلامة الجاهزة وحدها، ولا مغربية الأغنية أو الاستهلاك الثقافي، وإنما مغربية الإنسان، والذاكرة، والمرأة والحب.

ومن هنا تكمن جمالية النص في هذه المفارقة: الشاعر يبحث عن وطنه من خلال الحب، ويبحث عن معنى الحب من خلال الوطن. إنها مغربية ترى لا بوصفها شعارا، وإنما بوصفها تجربة إنسانية وثقافية حية؛ مغربية تسكن اللغة والذاكرة والوجدان قبل أن تسكن الصورة والرمز.

عبدالعزيز الراي

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *