إن الكشف عن تسجيل اسم الملتقى بفرنسا وإخضاعه لإطار قانوني أجنبي لا يمكن اعتباره مجرد إجراء إداري عادي، بل يمثل تحولًا جوهريًا يفرض إعادة النظر في كل الخطاب الذي قُدِّم للرأي العام طوال السنوات الماضية حول هوية هذا الملتقى ومرجعياته وأهدافه الحقيقية.
فكيف يمكن لمبادرة جرى تقديمها باستمرار باعتبارها معبرة عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية، وحاملة لرسالة التصوف المغربي الأصيل، أن تنقل مركز التحكم في اسمها ومستقبلها القانوني إلى خارج الوطن؟ وكيف يمكن الاستمرار في تسويقها على أنها واجهة للنموذج الديني المغربي، بينما أصبحت خاضعة لإطار قانوني أجنبي لا علاقة له بالمؤسسات الوطنية المؤطرة للشأن الديني تحت إمارة المؤمنين؟
إن هذه المعطيات تسقط عمليًا كل محاولات الخلط بين خدمة الثوابت الوطنية وبين بناء كيانات موازية تتجاوز المرجعية الدينية الرسمية للمملكة. فخدمة النموذج الديني المغربي لا تكون بالشعارات ولا بالمهرجانات ولا بالخطابات الاحتفالية، وإنما بالالتزام الصريح بثوابت الأمة ومؤسساتها ومرجعياتها الجامعة.
ومن هنا يحق للرأي العام أن يتساءل: إذا كان الملتقى قد أصبح مرتبطًا قانونيًا بالخارج، فمن يملك اليوم سلطة القرار داخله؟ ومن يتحكم في مستقبله وتوجهاته؟ وما هي الجهات التي تموله وتدعمه وتؤثر في خياراته؟ ولماذا يغيب الوضوح الكامل بشأن هذه القضايا رغم حساسيتها وأهميتها؟
إن التصوف المغربي لم يكن يومًا مشروعًا عابرًا للمرجعيات أو منفصلًا عن الثوابت الوطنية، بل ظل عبر القرون سندًا لوحدة الأمة وحصنًا لهويتها الدينية. ولذلك فإن كل ممارسة تثير الشكوك حول الارتباطات والولاءات والمرجعيات تستوجب المساءلة والنقاش العمومي المشروع.
وإذا كانت الوقائع المتداولة تؤكد أن الملتقى لم يعد مبادرة مغربية خالصة من الناحية القانونية والتنظيمية، فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن الأساس الذي يُطلب بموجبه من المؤسسات والجهات العليا في الدولة تقديم الرعاية أو الدعم أو الاحتضان لهذا الملتقى. إذ إن الرعاية الرمزية والمؤسساتية تقتضي أولًا وضوح الهوية والمرجعية والارتباط الوطني، لا الغموض والالتباس وتضارب الرسائل.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس مجرد نقل الاسم أو تسجيله خارج المغرب، وإنما ما يكشف عنه ذلك من تناقض بين الخطاب والممارسة. فبينما يُقدَّم الملتقى للرأي العام باعتباره مدافعًا عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، تكشف الوقائع عن مسار يثير أسئلة متزايدة حول طبيعة المشروع الحقيقي الذي يُراد بناؤه، وحول مدى انسجامه مع المرجعية الدينية الرسمية للدولة.
ولذلك فإن الصمت لم يعد مقبولًا، والمجاملات لم تعد مجدية، والواجب يقتضي تقديم توضيحات دقيقة وصريحة للرأي العام المغربي بشأن الوضع القانوني للملتقى، ومصادر تمويله، والجهات المؤثرة في قراراته، وحدود علاقته بالمؤسسات الدينية الوطنية. فالقضايا المرتبطة بالدين والهوية والثوابت العليا للأمة ليست ملكًا لأشخاص أو جماعات، وإنما هي شأن عام يحق للمغاربة جميعًا معرفة الحقيقة كاملة بشأنه.
إن المغاربة الذين تم تقديم هذا الملتقى لهم لسنوات باعتباره نموذجًا لخدمة الدين والوطن، من حقهم اليوم أن يطالبوا بإجابات واضحة لا تحتمل التأويل: هل ما يزال هذا الملتقى مشروعًا مغربيًا خالصًا كما كان يُقال؟ أم أنه اختار مسارًا آخر لم يعد من المقبول بعده الاحتماء بشرعية الثوابت الوطنية واستثمار رمزية المؤسسات الدينية للمملكة في تسويق مشروع أصبحت مرجعياته القانونية والتنظيمية خارج حدود الوطن؟
إن التصرفات المتكررة والتي يصفها المتتبعين ب”المجانبة للصواب” المنسوبة إلى منير القادري بودشيش، المشرف على الملتقى، تستوجب الوقوف عندها بجدية والتعامل معها بالحزم اللازم، لما لها من آثار سلبية على مصداقية الملتقى وصورته وهويته المرجعية:
– فما أقدم عليه يؤكد، في نظر كثيرين، أن الملتقى لم يعد عملاً مغربياً خالصاً معبّراً عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، رغم ما ظل يروَّج له من كونه فضاءً يسهم في ترسيخ تلك الثوابت وخدمتها. كما يطرح ذلك تساؤلات مشروعة حول مدى استمرار ارتباط الملتقى بالمرجعية الدينية الرسمية التي ترعاها إمارة المؤمنين، وحول الأساس الذي يُستند إليه في طلب الرعاية والدعم الرسميين لهذا الملتقى بعد ما طرأ عليه من تحولات وانحرافات.
– كما يُؤخذ على منير القادري كذلك “سرقته” واستحواذه على اسم الطريقة القادرية البودشيشية وتسجيله كعلامة تجارية في عدد من الدول الأوروبية، مع إقحام أنشطة وممارسات محرمة شرعا، ولا تنسجم مع رسالة التصوف وأهدافه التربوية والروحية.
– كما أثيرت حوله انتقادات واسعة بسبب ارتباطاته ومبايعته للعزمية المصرية ذات المرجعية الشيعية، ومواقف اعتبرها كثيرون خروجاً عن المرجعية السنية المغربية وثوابتها.
– فضلاً عن ظهوره في أماكن تحوم حولها الشبهات وتتضمن الاختلاط واللهو والغفلة التي لا تليق بمن يتصدر العمل الديني والتربوي، وما صاحب ذلك من ممارسات تتنافى مع مقتضيات الاستقامة والوقار اللذين يقتضيهما هذا المقام.
وإن مجموع هذه الوقائع والمؤاخذات، يشكل في نظر منتقديه انسلاخاً واضحاً عن المرجعية الدينية التي تؤطر الشأن الديني بالمغرب، وخروجاً عن ثوابت الأمة المغربية، ومجانبةً لجوهر التصوف السني القائم على تزكية النفس، وصيانة الأخلاق، وخدمة الدين والوطن.