بقلم الدكتورة جميلة مرابط :رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات.المغرب
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود الوعود الانتخابية إلى صدارة المشهد السياسي. وعود بتحسين مستوى المعيشة، وخلق فرص الشغل، ودعم الأسر، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير السكن، ورفع المعاشات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين. وهي وعود تستند في الغالب إلى حاجات حقيقية وانتظارات مشروعة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام التزامات سياسية قابلة للتنفيذ، أم أمام شعارات انتخابية هدفها استمالة الناخب؟
لا شك أن تقديم البرامج والوعود جزء أساسي من العملية الديمقراطية، فالناخب يحتاج إلى معرفة ما يقترحه المرشحون والأحزاب لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الوعود منفصلة عن الإمكانيات الواقعية، أو عندما يتم تقديم حلول لا تدخل أصلًا ضمن اختصاص الجهة المنتخبة، أو عندما تغيب عنها الكلفة ومصادر التمويل والآجال وآليات التنفيذ.
ومن هنا تأتي فكرة “بطاقة الوعد الانتخابي” باعتبارها آلية بسيطة وشفافة يمكن أن تساعد على إعادة تنظيم العلاقة بين المرشح والمواطن، وتحويل الوعد من مجرد خطاب انتخابي إلى التزام واضح يمكن فهمه وقياسه ومتابعته.
المحور الأول: الوعود الانتخابية بين انتظارات المواطن ومسؤولية المرشح
المواطن لا يطلب المستحيل عندما يبحث عن الشغل والدخل الكريم والخدمات الجيدة والصحة والتعليم والسكن. ولذلك فإن المرشح الذي يخاطب هذه الانتظارات إنما يتفاعل مع قضايا حقيقية يعيشها المجتمع.
لكن الحاجة المشروعة للمواطن يجب ألا تتحول إلى وسيلة لإنتاج وعود غير واقعية.
فعندما يقول مرشح إنه سيخفض فاتورة الكهرباء، أو يقدم دعمًا مباشرًا للزواج، أو يرفع المعاشات، أو يخلق آلاف فرص العمل، فإن من حق المواطن أن يعرف كيف سيتم ذلك؟ ومن سيموله؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار؟ ومتى يمكن أن يتحقق؟
فالوعد الانتخابي الجاد لا يقاس بحجمه أو بجاذبية عباراته، وإنما بمدى قابليته للتنفيذ.
وهنا تبرز مسؤولية المرشح، ولكن أيضًا مسؤولية المواطن. فالناخب ليس مجرد شخص يتلقى الوعود خلال الحملة الانتخابية، وإنما هو طرف أساسي في العملية الديمقراطية. ومن حقه أن يطلب معلومات دقيقة، وأن يقارن بين البرامج، وأن يميز بين ما هو ممكن وما هو مبالغ فيه.
كما أن معرفة الاختصاصات تصبح مسألة أساسية. فبعض الوعود ترتبط بقرارات وطنية أو تشريعية أو حكومية، بينما تكون اختصاصات المنتخب المحلي محدودة في مجالات أخرى. ولذلك فإن المرشح المسؤول هو الذي يوضح للمواطن حدود ما يستطيع القيام به، بدل أن يقدم نفسه باعتباره قادرًا على حل جميع المشكلات.
إن الانتقال من سؤال “ماذا ستعطوننا؟” إلى سؤال “كيف ستنفذون ما تعدوننا به؟” يمثل خطوة مهمة في تطوير الثقافة الانتخابية.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى الأمل، وإنما يحتاج إلى أمل مبني على الواقعية.
المحور الثاني: بطاقة الوعد الانتخابي… من الوعد إلى المتابعة والمساءلة
تقوم فكرة بطاقة الوعد الانتخابي على مبدأ بسيط: كل وعد انتخابي ينبغي أن يكون واضحًا وقابلًا للفهم والقياس والمتابعة.
فالمرشح بدل أن يكتفي بالقول: “سنحسن الخدمات” أو “سنخلق فرصًا للشباب”، يمكن أن يقدم وعده في بطاقة مختصرة تحدد عناصره الأساسية.
وتتضمن البطاقة، على سبيل المثال:
الوعد: ماذا سأنجز تحديدًا؟
المشكلة: ما القضية التي أريد معالجتها؟
المستفيدون: من سيستفيد من هذا الالتزام؟
الاختصاص: هل يدخل تنفيذ الوعد ضمن صلاحياتي؟
الكلفة: كم سيحتاج من موارد؟
مصدر التمويل: من أين ستأتي هذه الموارد؟
آلية التنفيذ: ما الخطوات المطلوبة لإنجازه؟
الأجل: متى يبدأ التنفيذ ومتى تظهر نتائجه؟
مؤشر النجاح: كيف يستطيع المواطن التأكد من تحقق الوعد؟
وبهذه الطريقة يصبح المواطن أمام معلومات أكثر وضوحًا، ويصبح قادرًا على مقارنة الوعود لا من حيث عددها، وإنما من حيث واقعيتها وقابليتها للتنفيذ.
لكن أهمية البطاقة لا تنتهي عند الانتخابات. بل يمكن أن تتحول بعد الاقتراع إلى أداة للمراقبة المجتمعية.
فبعد ستة أشهر أو سنة، يمكن تحديث وضعية كل وعد وتصنيفه مثلًا إلى:
🟢 تم التنفيذ
🟡 قيد التنفيذ
🟠 تم التنفيذ جزئيًا
🔴 لم يتم التنفيذ
⚫ خارج الاختصاص أو تعذر التنفيذ لأسباب موضوعية واضحة
وهنا يتحول المواطن من مجرد ناخب أدلى بصوته إلى مواطن يتابع ويقيّم ويحاسب.
كما يمكن لهذه الآلية أن تكون مفيدة للمنتخب نفسه؛ لأنها تساعده على ترتيب أولوياته، وتوثيق ما أنجزه، وتفسير ما تعذر عليه إنجازه، بدل ترك المجال للأحكام العامة والاتهامات المتبادلة.
والأهم أن بطاقة الوعد الانتخابي يمكن أن تساهم في تغيير طبيعة المنافسة السياسية. فبدل أن تتنافس الأحزاب والمرشحون في كثرة الوعود، يمكن أن تصبح المنافسة حول جودة البرامج، وواقعية الالتزامات، والقدرة على الإنجاز.
إن الهدف من هذه البطاقة ليس محاربة الوعود الانتخابية، ولا افتراض أن كل وعد هو وعد كاذب، وإنما وضع إطار بسيط يجعل الوعد أكثر مسؤولية ووضوحًا.
فقد يتعذر تنفيذ بعض الوعود بسبب تغير الظروف الاقتصادية أو القانونية أو المؤسساتية، لكن المواطن في هذه الحالة يستحق أن يعرف السبب، كما يستحق أن يعرف ما الذي تم إنجازه وما الذي لم يتم إنجازه.
إن بطاقة الوعد الانتخابي يمكن أن تكون بذلك أداة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسي، لأنها تنقل العلاقة من مجرد طلب الأصوات إلى علاقة تقوم على الالتزام والشفافية والتقييم والمساءلة.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى مرشح يعده بكل شيء، وإنما إلى مرشح يعرف ما يستطيع أن ينجزه، وكيف سينجزه، وكم سيكلف، ومتى سيحققه.
ومن هنا يمكن اختصار فلسفة بطاقة الوعد الانتخابي في سؤال بسيط:
«ماذا ستفعل؟ كيف ستفعله؟ كم سيكلف؟ متى ستفعله؟ وكيف سنعرف أنك فعلته؟»
عندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من الثقافة الانتخابية، لن يعود المواطن مجرد متلقٍ للوعود، بل سيصبح شريكًا في تقييمها ومتابعة تنفيذها. وعندها يمكن أن تتحول الانتخابات من موسم للوعود إلى منافسة حقيقية حول البرامج والإنجاز والمصداقية.
لا نريد وعودًا أكثر… نريد وعودًا واضحة، واقعية، قابلة للتنفيذ والمساءلة.