لعل الرواية هي أكثر الاشكال الأدبية مرونة واتساعا للتعبير عما يختلج النفس من افكار وعواطف ومواقف ولعلها ايضا الشكل المائع الذي باستطاعته أن يحتضن باقي الاشكال الأدبية التعبيرية او ينفذ اليها، حيث تمنح الرواية بسعة أفقها وبوليفونيتها فضاء أرحب للبوح والتعبير ولعلها ايضا – وهذا الاهم- الاكثر تداولا ومقروئية من بين باقي الاشكال الأدبية الاخرى، لقد استطاعت الرواية ان تخلق لها جمهورا من القراء يتسع ويتنوع بتنوع أشكالها ومذاهبها في حد ذاتها، ودون الخوض في الحديث عن هذا الجنس الادبي وتنظيراته الفنية والأدبية باختلاف المدارس والاتجاهات ودون التقيد بمناهج الدراسة والتحليل الصارمة، والتي وان كانت في جوهرها تروم سبر أغوار الكتابة الروائية وتحليل مضامينها وابعادها وانعكاساتها، فإنها في ذات الوقت قد تمارس سلطة تضيق بها الرواية، فكل قراءة وان كانت مبنية على منهج واضح فإنها لا تنج من السقوط في التعسف او تحيد عما يبتغيه المؤلف او ما يحفل به النص من ثيمات ومضامين، فقارئ الرواية بقدر ما يملك من سلطة التأويل والتفسير فان هذه السلطة تظل قاصرة عليه وعلى فهمه استنادا لمرجعتيه الفكرية والثقافية، ولا مندوحة له عن تقاسم هذه السلطة مع سلط اخرى كسلطة النص الادبي في حد ذاته، وسلطة كاتبه، وسلطة السياق الذي جاءت فيه، والذي تتداخل فيه وتتفاعل كل هذه السلط.
مناسبه هذا القول حصولي على نسخة أولية للجزء الاول من رواية نساء من قلب الفسيفساء لصديقي أحمد فارس، له جزيل الشكر على ثقته وللعناية التي أحاطني بها وهو يطلب مني ان أبدي رأيي في هذا العمل الروائي والابداعي، قبل ان ينهي وضع اللمسات الأخيرة عليه ليرى النور ويصل الى الجمهور الواسع… وبذات المناسبة أستسمح صديقي على ايراد هذه القراءة الانطباعية الأولية مؤكدا ان أي قراءة لن تكون شافية ضافية إلا بقراءة العمل كله وفي شكله الفني والجمالي بعد صدوره كاملا في القريب العاجل ان شاء الله، وبعد قراءته مرة واخرى حتى تستقر في الأعماق مضامينه وأبعاده وتورق شجرة المعنى جليه للناظر والمتصفح لهذا الاثر الادبي.
وانت تفتح دفتي رواية نساء من قلب الفسيفساء تطالعك اول عبارة : “الأبواب لم توصد بعد…” وهي جملة تقريرية تحمل ما تحمل من قوة المعنى وتفتح باب الأمل وتغري بالإبحار والغوص في عمق الاحداث التي تحفل بها ، وكذلك عبارة: ” انت والكلمات المنكسرة بين هذه الايام التي لم تعد تخجل ولو للحظة” وهي تصريح واضح من الراوي – سارد الاحداث- انه لا يملك الا الكلمات التي قد تضعف امام جسارة الايام التي لم تعد تخجل كما جاء على حد توصيفه، وقد صدرها بضمير المخاطب انت لإدراكه ان الرواية وما تحفل به من احداث لا قيمة لها ولا حياة فيها إلا بقراءتها في وجود قارئ يتتبع تسلسل الاحداث عبارة عبارة، فقرة فقرة، الى آخر كلمة ترد فيها، وتلك دعوة صريحة للإنغماس والمغامرة بالمشاركة في غواية النص الذي كتب في بداية التسعينيات وتم ايداعه القانوني لدى الجهة المختصة بذلك سنه 1996 ويعود كاتبه في لحظة انبعاث كفينيق من رماده ليسارع الزمن لإخراجه الى الضوء بعد ازيد من 30 سنة مضت، وهكذا وجدتني حائرا بين زمن الاحداث وزمن الكتابة وزمن القراءة وتلك لعمري قضية أخرى قد يطول شرحها في هذه العجالة.
على مد ى 92 صفحة من القطع المتوسط تمتد الاحداث التي يرويها السارد بضمير المتكلم والذي لا يفتح الا مساحات ضيقة لحوارات شخوصه ومرافقيه في المتن الحكائي خاصة علي، عبد الرزاق وعباس ومصطفى الجيفاري والأستاذ، دون إغفال المساحة الهامة التي تحتلها “نساؤه” في قلب الفسيفساء، بكل ما هن جديرات به من مركزية في الاحداث واضطرادها وما يرمز له الفسيفساء من جمالية ونضارة وعشق وتجدر في التاريخ.
اتخذ السارد موقع العالم بالوقائع والموجه للأحداث، فلم يقتصر دوره على الحكي، بل تعداه الى التعليق على الوقائع والتوجيه لها وهو ايضا أيقونة وشاهد على عصره – بنفس روائي قوي – وعلى ما آلت اليه الاوضاع وما انتهى اليه الرفاق، ويشير الى مكمن الجرح ببنانه حين يصرح: ” لماذا يا علي لم تكن تسمي الاشياء كما هي.. بل تبحث عن أعنف الالفاظ والمفردات؟..” لقد صارت الرواية على درب الحقيقة لتجلو المسكوت عنه في تاريخ البلد حين يصرح الراوي أحمد: ” اجمل ما تكون يا علي أن تخلخل المدى، أجمل ما تكون أن تنفلت من تلك المعادلة الصعبة وتخرج من رحم الاشواك…” ولكنه في نفس الوقت يستحضر هذه الاحداث بغرض تجاوز الألم ورغبة في تضميد الجرح: ” لا تنتحر يا علي.. ولماذا يا علي لا تكون بناء جديدا.؟”…
أمام تسارع الاحداث وتنوعها واطرادها ومع تداخل الشخصيات خاصة في صلب الحكاية أجد انه من الصعب الإمساك بها، ولن يتأتى ذلك إلا بعد أناة وتدبر.. ” يضع الزعيم البحر في قارورة .. البحر كل البحر في قارورة…” ثم يضيف الراوي: ” نضحك ونتقيئ البحر أنهارا، هكذا تتحول الطرقات سيلا من المتاهات ولا شيء… ” وإلى أن تتبدى هذه المتاهات وأجلو المعنى بعد قراءة ماتعة وأخرى متأنية للعمل اكتفي بهذا القدر مع موافاة صديقي ببعض الملاحظات البسيطة حول ما تسرب للنص من أخطاء إملائية ونحوه أثناء عملية الرقن وكذا بعض التعابير الأسلوبية التي لا تنتقص من قيمة العمل على أن أعود إليه بعد ميلاده الرسمي في القريب بحول الله.