تعتبر دراسة الهندسة الإنتخابية المغربية المدخل الرئيس لتفكيك وفهم آليات البناء السياسي والتطور الديمقراطي بالمملكة ، وصيرورة التحول الذي طرأ على مفهوم “المخزن” وعلاقته المستمرة بالديمقراطية التمثيلية. فمع إعتلاء الملك محمد السادس نصره الله عرش البلاد سنة 1999، دخلت المؤسسة الإدارية والأمنية مرحلة مراجعة مفاهيمية عميقة، تجسدت في خطاب أجدير التاريخي الذي أطلق “المفهوم الجديد للسلطة”، والذي إعتبره الكثير من محللي السياسة الداخلية المغربية بمثابة ثورة ضد العقلية السلطوية الكلاسيكية السابقة، والتي كانت تقوم على التدخل المباشر في هندسة النتائج الإنتخابية وتكوين أغلبيات هجينة عبر الصنع القسري للخرائط السياسية وتوجيه صناديق الإقتراع، وليدشن عهد التحول الجديد نحو نموذج “الأمن التنموي” والحياد الإجرائي التقني. وقد فرضت هذه المرحلة إنتقالات تدريجية عبر محطات تعاقب عليها وزراء بتوجهات مختلفة.
لقد شهدت المرحلة الانتقالية الأولى من سنة1999 إلى سنة 2011 تراجع ملموس لأدوار التوجيه المباشر لصالح ما عرف بالحياد الإيجابي، حيث أسندت مهمة الإشراف الفعلي والمتابعة للعمليات الإنتخابية للقضاء، فتم إعتماد الترسانة القانونية والتكنولوجيا اللوجستية كأدوات ضبط بديلة. هذا التراجع الإداري المباشر وجد نفسه في مواجهة سياقات ماسمي بالحراك العربي او الربيع الديمقراطي لسنة 2011 ليكلل بإصلاح دستوري مهم، كما فتح المجال لصعود حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية لتصدر المشهد الإنتخابي في محطتي 2011 و2016، حيث ارتفعت نسبة المشاركة في الإنتخابات التشريعيات المبكرة لسنة 2011 إلى نحو 47.40% من مجموع المسجلين، كتعبير عن لحظة إنفراج وسياسة تعاقدية شاركت فيها أطياف واسعة من المجتمع المغربي. غير أن إستمرار تصدر هذا الحزب للمشهد في إنتخابات 2016 بنسبة مشاركة بلغت 43% وبتصويت تجاوز مليون وستمائة ألف مواطن، أظهر للإدارة الترابية حدود الفاعلية في نموذج الحياد التقني المتروك للتنافس الأيديولوجي الصرف، مما حتم التفكير في هندسة معقدة تعيد التوازن للمشهد السياسي وتمنع هيمنة حزب واحد. وفي هذا السياق المفصلي، جاء تعيين عبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية سنة 2017 لتكتمل معه صيرورة إنتقال المؤسسة الإدارية نحو التكنوقراطية التنفيذية الصارمة، وهي مدرسة تؤمن بالإدارة عبر القانون المكتوب والمساطر اللوجستية البالغة الدقة، مع إزاحة ملف الإنتخابات من خانة الصراع الوجودي إلى خانة التدبير الموسمي رفيع المستوى. إن استمرارية عبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية في حكومتي سعد الدين العثماني ثم حكومة عزيز أخنوش، تعكس ذلك النضج السياسي والإستراتيجي في كيفية إدارة الدولة للملفات السيادية والتنموية الكبرى، فلم يكن التجديد الثقة في شخص الفتيت مجرد إجراء إداري أو إستمرار لنهج تقليدي، بل عبر عن رؤية ملكية متبصرة ترتكز على مبادئ النجاعة والاستقرار المؤسساتي وإستدامة المشاريع الكبرى. لقدأثبت الرجل بفضل خلفيته التقنية والهندسية وتدرجه في الإدارة الترابية كوالي على جهات إستراتيجية وعلى رأسها الرباط، قدرة عالية على التحول بوزارة الداخلية من مفهومها التسييري الكلاسيكي المرتكز بالأساس على الضبط والأمن، إلى مفهوم أوسع يضع التنمية المجالية وإدارة الأزمات والتحديث الإداري في صلب أدوارها الرئيسية. فخلال ولايته الأولى برزت الداخلية كجهة محورية في تدبير ملفات معقدة ذات أبعاد إجتماعية، فضلا على الإدارة الإستثنائية لجائحة كورونا التي كرست حضور أم الوزارات كصمام أمان ينسق بين مختلف القطاعات وليعطي المغرب فيها المثال الدولي في تدبير أزمة صحية عالمية خطيرة، ليجدد هذا الإمتداد في حكومة أخنوش التأكيد على أن ملفات الإدارة الترابية والتنمية المجالية،وفي مقدمتها ورش الجهوية المتقدمة، وتحديث الإدارة وتدبير الأزمات الطبيعية والمائية والتي تتطلب النفس المتواصل و البحث عن الخبرات المتراكمة والإبتعاد عن التجاذبات الحزبية وليتم إرساء،مفهوم إستراتيجي للدولة العابرة للحكومات.
لقد تجلى هذا التفكير الهندسي المتقدم وبشكل جلي في محطة 8 سبتمبر 2021، وهي الإنتخابات الإستثنائية التي أدارتها الداخلية بذكاء قانوني، حيث جرى تعديل القاسم الإنتخابي ليحسب على أساس عدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية بدل عدد الأصوات الصحيحة، مع إلغاء العتبة الإنتخابية بشكل كلي، فضلا على تجميع الإستحقاقات التشريعية والجماعية والجهوية في يوم واحد. لقد أدت هذه الهندسة القانونية الدقيقة إلى تفتيت الأصوات، وحرمان الأحزاب الكبرى من التحكم في الباقي القوي، مما أفضى إلى تقليص مقاعد حزب العدالة والتنمية من 125 مقعد سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط سنة 2021، و تصدر ثلاث أحزاب الانتخابات وهي التجمع الوطني للأحرار و الأصالة والمعاصرة و حزب الإستقلال. وعلى الرغم من رفع نسبة المشاركة الإسمية إلى 50.35% والتي بلغت أكثر من 63.80% في الأقاليم الجنوبية وذلك بالنظر لحياد يوم الإقتراع الموحد وحشد أعيان الأقاليم للكتل الإنتخابية، إلا أن النسبة الحقيقية عند قياسها بكتلة المواطنين البالغين سن الإقتراع تعكس تحديات بنيوية أكثر عمقا.
إن القراءة السياسية العميقة لهذا النموذج الجديد من التدبير تكشف عن الإنتقال من الضبط الميداني عبر تعليمات رجال وأعوان السلطة إلى الضبط المؤسساتي القائم على ضبط قواعد اللعبة السياسية، غير أن هذه العصرنة الإجرائية أفرزت وضع سياسي يعاني من إختلالات جوهرية، إذ أدى حياد الإدارة الميداني و عدم مباشرتها عملية كبح جماح المال السياسي إلى فتح المجال الواسع أمام صعود أعيان و كبار رجال أعمال محليين على حساب النخب والمناضلين الحزبيين. وبذلك غاب الخطاب السياسي المعمق والبرامج التنموية المتباينة لصالح صراعات النفوذ والهيمنة المالية على الدوائر الإنتخابية، وهو ما تسبب في تفكيك البنية الحزبية التقليدية وتراجع النخب المناضلة ذات الحمولة الفكرية، لحساب نخب تدبيرية شابة أو أعيان قدرتها الوحيدة هي الحشد المالي والتنفيذي. الأمر الذي تسبب في الصعود الحاد للأعيان وتغليب المنطق الشكلي على حساب المضمون السياسي في تعميق أزمة الثقة بين المواطن المغربي والمؤسسات المنتخبة. وتجلى هذا الجدار العازل في شكل عزوف سياسي واسع، وخاصة في أوساط الفئات الشابة والمثقفة بالمدن الكبرى، حيث تحول سلوك الناخب من المشاركة الواعية إلى التعبير عن الاحتجاج من خلال وسائل التواصل الإجتماعي. ويعكس هذا التحول الإجتماعي البنيوي تزايد الهوة بين الخطاب الرسمي الداعي لإفراز مؤسسات ذات مصداقية لتنزيل النموذج التنموي الجديد، وبين واقع مجالس جماعية وجهوية تعاني شريحة واسعة من أعضائها ومنتسبيها من المتابعات القضائية بتهم الفساد وتبديد المال العام وسوء التدبير، مما اضطر ولاة وعمال وزارة الداخلية إلى التردد والدخول المتكرر على خط المراقبة الإدارية والمالية لتوقيف رؤساء مجالس وإحالة ملفاتهم على المحاكم الإدارية.
وعلى مشارف الإستحقاقات الانتخابية المقبلة يكتسي إشراف وزارة الداخلية على هذه العملية أهمية بالغة وأبعاد إستشرافية عميقة، حيث أن الحفاظ على الحياد المؤسساتي وإدارة العملية الإنتخابية بتجرد وإحترافية يمثلان شرطين أساسيين لضمان نزاهة الإقتراع وتعزيز ثقة المواطنين والفاعلين السياسيين في مخرجات الصناديق. وهنا تأتي خبرة وزارة الداخلية المتجددة و الميدانية، ومعرفتها الدقيقة بالخريطة الترابية والديموغرافية للمملكة، لتضمن توفير بيئة لوجستية وأمنية وقانونية تتسم بالشفافية وتكافئ الفرص بين جميع الفرقاء. وبالنظر إلى هذه الدينامية وتأسيسا على التحولات الإجتماعية والثقافية التي يمر بها المغرب اليوم والتي تمتاز بوعي شبكي رقمي وحسابات دقيقة للمردودية التنموية، يمكن رسم معالم إستشرافية دقيقة لأفق تدبير وزارة الداخلية للإنتخابات والعلاقة بين السلطة المركزية والديمقراطية التمثيلية في الأفق القريب والبعيد عبر ثلاث نقط رئيسية، أولها الإنتقال نحو الداخلية الرقمية والضبط بالبيانات، حيث سيتراجع الدور التقريري والإستعلاماتي التقليدي لرجال وأعوان السلطة في توجيه التوقعات وتحديد الخرائط ال الإنتخابية لصالح السجل الإجتماعي الموحد والقواعد الرقمية الديموغرافية المترابطة. الأمر الذي سيتيح للذكاء الاصطناعي ومن خلال تحليل البيانات الضخمة للمؤسسة المركزية فهم الإتجاهات السلوكية للكتلة الناخبة وتحديد الخرائط التنموية والإجتماعية بدقة متناهية، مما يحول التدبير الإنتخابي إلى عملية خوارزمية مؤمنة تمنع التلاعبات وتضبط الكتلة الناخبة بشفافية تقنية مطلقة.
وثانيها الوصاية التنموية والقانونية، حيث تشير القراءة المستقبلية إلى أن إستمرار ضعف الكفاءة لدى النخب المنتخبة وتفشي الممارسات الريعية بين الأعيان سيفرض على وزارة الداخلية ممارسة وصاية ناعمة ولكن حاسمة، ليس عبر أساليب الترهيب السياسي المعروفة في العهد السابق، بل عبر تفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات وتفعيل القضاء الإداري والمالي، وإستخدام صلاحيات الولاة والعمال كموجهين ومخططين تنمويين للمشاريع الملكية الكبرى، وهو ما سينتج وضع تكون فيه المجالس المنتخبة واجهة تمثيلية بينما المضمون التنفيذي الفعلي يدار بصرامة تكنوقراطية.
وثالثها وهو النقطة الأخيرة الرهان على المشروعية وإحتواء العزوف لدى فئات عريضة من المواطنين وعلى رأسهم الشباب، إذ يمثل إعادة بناء الثقة التحدي الإستراتيجي الأبرز لوزارة الداخلية في المحطات الإنتخابية القادمة، فلم يعد الرهان يتمثل في تحجيم هذا الفاعل أو دعم غيره بل في البحث عن معادلة تضمن رفع نسب المشاركة الحقيقية في المدن وتجسر الفجوة مع الشباب، وذلك عبر آليات بيئية سياسية حافزة تتصدى لتغول سلطة المال، وتحمي نزاهة الإقتراع وتفسح المجال لعودة الأطر والأنشطة التكنوقراطية والمدنية المؤهلة لقيادة الجماعات الترابية والجهات.
ختاما، ومن خلال ماسبق يتضح أن وزارة الداخلية المغربية قد قطعت مسار و تحول تاريخي مهم نقلها من دور الصانع السياسي المباشر والمتحكم القسري في النتائج خلال عقود الماضي، إلى دور المنظم اللوجستي والمحكم التقني الصارم، مع التطلع نحو الفاعل الرقمي والتنموي التوجيهي في المستقبل. وتؤكد هذه الصيرورة أن المرحلة القادمة ستشهد ترسيخ أكبر لدور الإدارة الترابية كشريك تنموي أساسي، قادر على صيانة التوازنات السياسية والإجتماعية في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة. إن الجمع بين نجاعة الإدارة السيادية وحيادها الشفاف في الإستحقاقات المقبلة، يرسخ نموذج مغربي متميز يوازن بين الإستقرار السياسي المستدام، والتداول الديمقراطي والتنمية الترابية الشاملة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهين القدرة على مصالحة المواطن مع صناديق الإقتراع، وإعادة الإعتبار للفاعل السياسي الحزبي الحقيقي، وتخليص المؤسسات المنتخبة من هيمنة شبكات المصالح الفردية والعائلية لضمان تنزيل الخيارات الإستراتيجية الكبرى للمملكة وتثبيت دعائم إستقرارها التنموي والمؤسساتي.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيحي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية