مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا تبدو معركة التزكيات واللوائح الانتخابية منفصلة عن سؤال أكبر وأكثر إلحاحا: ماذا قدم المسؤولون الذين تحملوا مسؤولية تدبير القطاعات الحيوية؟ وفي مقدمة القطاعات التي تستحق نقاشا صريحا وشفافا يأتي قطاع الصيد البحري، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمصالح آلاف البحارة والعاملين في الموانئ والقطاعين التعاوني والتحويلي، وبالثروة السمكية التي تشكل إحدى أهم الثروات الطبيعية للمغرب.
وفي هذا السياق، يطرح ترشح زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، ضمن اللائحة الجهوية النسائية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة، سؤال الحصيلة قبل سؤال التزكية، وسؤال المسؤولية قبل سؤال الاستحقاق الانتخابي. فالمواطن، خصوصا المهني المرتبط بالبحر، لا يعيش على لغة البرامج والشعارات، وإنما يقيس السياسات بما يلمسه في حياته اليومية: حجم المداخيل، ظروف العمل، كلفة المهنة، وضعية الموانئ، حماية الموارد، محاربة الصيد غير القانوني، وضمان استدامة الثروة السمكية للأجيال المقبلة.
ومن الصويرة وإمسوان مرورا بأكادير وإقليم اشتوكة آيت باها وصولا إلى تيزنيت وسيدي إفني، يبقى البحر جزءا أساسيا من الاقتصاد المحلي والاجتماعي للمنطقة. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل القطاع لا يمكن أن يكتفي باستعراض المخططات والاستراتيجيات، بل يحتاج إلى أرقام واضحة ومؤشرات قابلة للقياس: ماذا تغير فعليا في وضعية البحارة؟ وهل تحسنت ظروفهم الاجتماعية والمهنية؟ وهل أصبحت الموارد البحرية أكثر حماية واستدامة؟ وما حجم الأثر الحقيقي للبرامج التي تم الإعلان عنها خلال السنوات الماضية؟
السؤال هنا ليس موجها إلى شخص بعينه بقدر ما هو مرتبط بمبدأ دستوري وسياسي أساسي: ربط المسؤولية بالمحاسبة. فمن يتحمل مسؤولية تدبير قطاع حكومي مطالب، في نهاية المطاف، بتقديم حصيلة واضحة للرأي العام، بعيدا عن لغة التبرير أو الاكتفاء باستعراض المشاريع والبرامج.
وتزداد أهمية هذا النقاش أمام الشكاوى المتكررة التي يطرحها عدد من المهنيين حول ارتفاع تكاليف ممارسة المهنة، وتراجع المردودية في بعض المصايد، والصعوبات الاجتماعية التي تواجه فئات من البحارة، إلى جانب المخاوف المرتبطة باستنزاف الموارد البحرية والصيد غير القانوني. وهي ملفات تحتاج إلى معطيات رسمية دقيقة، لكنها في الوقت نفسه تستوجب نقاشا سياسيا حقيقيا حول مدى نجاعة السياسات العمومية المتبعة.
أما الثروة السمكية، فلا يمكن التعامل معها باعتبارها موردا لا ينضب. فاستدامة المصايد ليست مجرد شعار بيئي، وإنما قضية اقتصادية واجتماعية وأمن غذائي، وأي اختلال في تدبيرها ستكون له انعكاسات مباشرة على المهنيين والأسر والمجتمعات الساحلية. ومن هنا تأتي ضرورة أن تكون الحصيلة مبنية على مؤشرات واضحة حول حالة المخزونات السمكية، ومردودية المصايد، وفعالية آليات المراقبة، ومدى استفادة المهنيين من برامج التأهيل والدعم.
وبالتزامن مع دخول البلاد أجواء الاستحقاقات الانتخابية، يصبح من المشروع أن يطرح المواطن سؤالا بسيطا لكنه جوهري: ما الذي تحقق على أرض الواقع؟
فالمناصب الحكومية ليست امتيازا سياسيا وإنما مسؤولية عمومية. والترشح للانتخابات لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال من موقع حكومي إلى موقع انتخابي، بل مناسبة لتقديم الحساب السياسي أمام المواطنين، والحديث بلغة الأرقام والنتائج، والاعتراف أيضا بما لم يتحقق وما يحتاج إلى إصلاح.
وفي حالة زكية الدريوش، فإن النقاش حول ترشحها بجهة سوس ماسة يفرض، قبل أي موقف انتخابي، فتح ملف حصيلة قطاع الصيد البحري بكل هدوء وموضوعية: ما الذي تحقق للبحارة؟ ما الذي تحقق للثروة السمكية؟ وما الذي بقي عالقاً؟ وأين نجحت السياسات العمومية وأين أخفقت؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات إن أثبتتها المعطيات الرسمية؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، بل أسئلة طبيعية في الديمقراطيات التي تجعل من الانتخابات محطة لتقييم الأداء العمومي.
فالمواطن السوسي، والبحار، والمهني، والعامل المرتبط بالقطاع، لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاج إلى حصيلة موثقة، وأرقام واضحة، ومسؤولية محددة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من حصل على التزكية؟ بل الأهم: بأي حصيلة يدخل صاحب التزكية إلى الانتخابات؟
وهنا تحديدا يصبح ملف الصيد البحري امتحانا سياسيا حقيقيا: هل تكفي المناصب والتزكيات للعبور إلى المرحلة الانتخابية، أم أن زمن السياسة الحديثة يفرض أولا تقديم الحساب أمام المواطنين؟

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *