تتجه الأنظار داخل جهة سوس ماسة إلى طريقة تدبير حزب التجمع الوطني للأحرار لملف التزكيات، في ظل نقاش متزايد حول الأسماء التي يتم تداولها لخوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما إذا كانت هذه الاختيارات قادرة على توحيد الصفوف وتعزيز حظوظ الحزب، أم أنها قد تفتح الباب أمام خلافات تنظيمية وحسابات انتخابية جديدة. ووفق الأسماء والمعطيات المتداولة في المشهد الانتخابي، يبرز عمر أمين بدائرة إنزكان أيت ملول، وزينة ادحلي بدائرة أكادير إداوتنان، إلى جانب عبد الله غازي الذي يحضر في المشهد التنظيمي والسياسي الجهوي، فيما تبرز أسماء زكية الدريوش ضمن النقاش المرتبط باللائحة الجهوية النسائية، ولحسن السعدي وإسماعيل كرم ضمن الأسماء المرتبطة باللائحة الجهوية، مع التأكيد أن التداول الإعلامي حول بعض الترشيحات لا يعني بالضرورة أن جميعها حُسمت بشكل نهائي ورسمي ما لم يصدر عن الحزب ما يؤكد ذلك.
غير أن أهمية هذه الأسماء لا تكمن فقط في حضورها داخل المشهد الانتخابي، وإنما في طبيعة الرسائل التي تحملها اختيارات الحزب في مرحلة أصبحت فيها التزكية نفسها جزءا من المعركة السياسية. فاختيار أي مرشح لا يتعلق بالاسم وحده، بل بمدى قدرته على استقطاب الناخبين، وحشد المناضلين، وبناء تحالفات محلية، والاستفادة من رصيد الحزب التنظيمي، خصوصا أن الانتخابات التشريعية لا تُحسم داخل المقرات الحزبية، وإنما في الأحياء والقرى والأسواق واللقاءات الميدانية وأخيرا أمام صناديق الاقتراع.
ويبدو أن عمر أمين يوجد في قلب واحدة من أكثر النقاشات حساسية، بالنظر إلى ما تم تداوله حول وجود تحفظات داخل بعض الأوساط المحلية بأيت ملول بشأن طريقة تدبير التزكية، وهو ما يضع الحزب أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع تحويل الاختيار إلى توافق ميداني، أم أن الجدل حول المرشح سيستمر ليصبح عبئا على الحملة الانتخابية؟ فالمرشح، مهما كان اسمه، يحتاج إلى قواعد حزبية مقتنعة ومستعدة للعمل، لأن أي حملة انتخابية لا يمكن أن تنجح بالقرار التنظيمي وحده.
أما زينة ادحلي، المرتبطة بدائرة أكادير إداوتنان وفق المعطيات المتداولة، فتدخل بدورها إلى دائرة الضوء في واحدة من أهم الدوائر الانتخابية بالجهة، حيث ستكون القدرة على التواصل مع الناخبين، والحضور السياسي، والامتداد المحلي، عناصر حاسمة في قياس قوة أي ترشيح.
وفي الجانب الجهوي، يكتسي اسم زكية الدريوش حساسية خاصة، خصوصا مع استمرار النقاش حول اللائحة الجهوية النسائية، في وقت ترتفع فيه أصوات تطالب بأن تكون الكفاءة والحضور الميداني والامتداد داخل الجهة من بين المعايير الأساسية في اختيار المرشحات. وهنا لا يتعلق النقاش بشخص معين بقدر ما يتعلق بسؤال سياسي أوسع: هل تستطيع الأحزاب إقناع قواعدها بأن اختياراتها تعكس فعلا الكفاءات والطاقات التي راكمت حضورا داخل الجهة؟
كما يحضر لحسن السعدي ضمن الأسماء المرتبطة باللائحة الجهوية، إلى جانب إسماعيل كرم، في مشهد انتخابي يبدو مفتوحا على أكثر من احتمال، خصوصا في ظل ارتفاع سقف المنافسة وتغير سلوك الناخبين. وفي المقابل، يظل عبد الله غازي حاضرا باعتباره من الوجوه التنظيمية والسياسية المرتبطة بالحزب في الجهة، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من مجرد ترتيب للأسماء، لأنه يتعلق أيضا بقدرة القيادة الجهوية والمحلية على إدارة المرحلة وإقناع القواعد بالاختيارات المطروحة.
المشكلة التي قد تواجه الأحرار ليست بالضرورة في المرشحين أنفسهم، وإنما في الفجوة المحتملة بين القرار الحزبي والانتظارات المحلية. فإذا شعر مناضلون أو منتخبون أو فعاليات محلية بأن أسماء معينة تم تقديمها دون نقاش كاف، فإن تداعيات ذلك قد لا تتوقف عند حدود الاستياء، بل قد تظهر في شكل فتور في التعبئة، أو تراجع في الحماس الانتخابي، أو انتقال بعض الغاضبين إلى دعم منافسين، وهو ما يجعل تدبير مرحلة ما قبل الانتخابات عاملا لا يقل أهمية عن الحملة نفسها.
فالانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين الأحزاب، وإنما ستكون أيضا اختبارا لقدرة كل حزب على إدارة بيته الداخلي قبل مطالبة الناخبين بالتصويت له. والحزب الذي يدخل الحملة منقسما أو مترددا قد يجد صعوبة في تعويض ما فقده من تعبئة، لأن المناضل المحلي والمنتخب والفاعل الجمعوي والشخصيات المؤثرة في الدائرة يشكلون جميعا جزءا من القوة الانتخابية لأي مرشح.
ومن هنا يبرز خطر ما يسمى بـ*«التصويت العقابي»*، عندما يقرر الناخب معاقبة حزب أو مرشح ليس بالضرورة لأنه مقتنع تماما بالمنافس، وإنما احتجاجا على طريقة تدبير الترشيحات أو بسبب شعوره بأن اختيارات الحزب لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المنطقة وانتظارات ساكنتها. وإذا تحول النقاش حول التزكيات إلى غضب انتخابي، فإن المنافسين سيكونون أول المستفيدين.
ومع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026، سيكون على التجمع الوطني للأحرار أن يثبت أن الأسماء المتداولة، من عمر أمين وزينة ادحلي وعبد الله غازي وزكية الدريوش ولحسن السعدي وإسماعيل كرم، ليست مجرد اختيارات تنظيمية، وإنما رهانات انتخابية قادرة على إنتاج تعبئة حقيقية واستقطاب أصوات الناخبين. أما الحديث عن تراجع الحزب إلى مراتب متأخرة جهويا أو فقدانه عددا من المقاعد، فيبقى مجرد سيناريو سياسي لا يمكن الجزم به قبل انطلاق المعركة الانتخابية وظهور موازين القوى الحقيقية.
في النهاية، لن تكون صناديق الاقتراع مجرد محطة لإعلان النتائج، بل ستكون اختبارا لمدى نجاح الحزب في تحويل التزكيات إلى قوة انتخابية. فهل تنجح الأحرار في توحيد صفوفها خلف مرشحيها، أم أن أزمة الاختيارات ستمنح المنافسين فرصة ذهبية لاقتناص الغاضبين؟

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *