في كل مرة يُطرح فيها موضوع تخصيص حافلات أو فضاءات خاصة بالنساء، يبدو وكأننا نبحث عن علاجٍ لمرضٍ اجتماعيٍّ بأداةٍ تجميلية.
فالمشكلة لم تكن يومًا في المسافة الجسدية بين الرجل والمرأة، بل في المسافة الوعيّة والأخلاقية بينهما.
حين نحاول حماية النساء بعزلٍ مكاني، نرسل رسالة خفية تقول إن الجسد هو الخطر، وإن المرأة هي الطرف الذي يجب عزله ليحيا الجميع في أمان.
لكن الحقيقة أن الخطر الحقيقي ليس في الجسد، بل في الوعي المنحطّ الذي يختزل الإنسان في جسده.
إن الحل لا يكمن في “فصل الأجساد”، بل في ترقية الوعي الأخلاقي للجنسين معًا.
نحتاج إلى تربية جديدة تجعل الرجل يرى في المرأة كائنًا كاملاً لا جسدًا متحركًا، وتجعل المرأة ترى في نفسها روحًا قبل أن تكون مظهرًا.
في مجتمعاتٍ تكرّس الفصل باسم الحماية، نخسر أحيانًا أهم درس إنساني:
أن العفّة ليست في الحواجز، بل في نقاء الداخل.
وأن المجتمع الراقي هو الذي يُربّي أبناءه على احترام الجسد كأمانة لا كغريزة، وعلى الاختيار الأخلاقي لا القسر المكاني.
لقد آن الأوان أن نخرج من منطق “وعي السحلية” — الذي يستجيب للغريزة وحدها — إلى وعي الإنسان الذي يسمو بالعقل والروح.
وحين نصل إلى هذا الوعي، لن نحتاج إلى حافلات خاصة، ولا إلى عزلٍ مكاني، لأن النظرة ستصبح طاهرة، والمجال العام سيصير آمناً بالنية لا بالحاجز.
– التربية هي البداية
لن يتغير السلوك ما لم يتغير الوعي، ولن يتغير الوعي ما لم تُصمم برامج تربية وتكوين تُعيد بناء العلاقة بين الرجل والمرأة على أسس الاحترام المتبادل والمسؤولية الأخلاقية.
المؤسسات التعليمية، الأسر، الجمعيات، والمدربون في التنمية الذاتية، جميعهم مدعوون للمساهمة في تأهيلٍ قيميٍّ يعلّم الشباب أن الحرية لا تنفصل عن الاحترام، وأن الكرامة تبدأ من الداخل.
حين نتعامل مع الوعي كقضية تكوين لا كقضية رقابة، يمكننا أن نبني مجتمعًا لا يحتاج إلى “فصل”، بل إلى توازنٍ بين العقل والروح، بين الذكر والأنثى، بين الحرية والأدب.
خديجة الفلاكي عضو مجلس مجموعة الجماعات الترابية أكادير الكبير للنقل والتنقلات.
